كوركول في قلب القرار حين السياسة تلتقي بالاقتصاد .. تقرير الموريتاني

كوركول في قلب القرار حين السياسة تلتقي بالاقتصاد .. تقرير الموريتاني

لم تكن جولة فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في ولاية كوركول مجرّد نشاط رسمي ضمن روزنامة الزيارات الميدانية، بل جاءت كرسالة مركّبة تجمع بين رمزية السلطة وواقعية التنمية، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجال، وبين القرار السياسي والرهان الاقتصادي.

في كوركول، بدا المشهد وكأنه انتقال فعلي لمركز الاهتمام من العاصمة إلى الداخل، حيث تحوّلت الزيارة إلى منصة استماع مباشر لنبض المواطنين، ومختبر عملي لسياسات القرب، التي تراهن عليها الدولة في مرحلة إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. 

فالرئيس لم يكتفِ بخطابات عامة، بل قدّم إشارات واضحة على أن التنمية لم تعد شعارًا مركزيًا، بل خيارًا استراتيجيًا مرتبطًا بالاستقرار السياسي والأمن الاجتماعي.

اقتصاديًا، حملت الجولة دلالات أعمق من مجرد تدشينات أو وعود، إذ عكست توجّهًا رسميًا لإعادة توزيع الاهتمام التنموي على المناطق الزراعية والريفية، باعتبارها رافعة حقيقية للأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية. 

كوركول، بما تمثله من ثقل زراعي وبشري، ظهرت في الخطاب الرسمي كحلقة محورية في معادلة الإنتاج الوطني، لا كهوامش جغرافية بعيدة عن مركز القرار.

سياسيًا، أعادت الجولة صياغة مفهوم “الحضور الرئاسي” بوصفه أداة إدارة للتماسك الوطني، حيث بدا واضحًا أن الزيارة تحمل بعدًا رمزيًا يتجاوز البروتوكول، ليؤكد أن الدولة حاضرة في عمق المجال الوطني، لا في واجهته فقط. 

وهو ما يعزز صورة السلطة كفاعل مباشر في معالجة الاختلالات التنموية، لا كوسيط إداري بعيد عن الواقع الميداني.

أما اجتماعيًا، فقد كشفت اللقاءات الشعبية والاستقبالات الجماهيرية عن مستوى تفاعل يعكس تعطّشًا حقيقيًا لسياسات الإنصاف المجالي، ويؤكد أن الرهان لم يعد فقط على المشاريع، بل على العدالة في توزيع الفرص، وعلى تحويل التنمية من نصوص في البرامج إلى أثر ملموس في حياة الناس.

جولة كوركول، بهذا المعنى، لم تكن حدثًا عابرًا في أجندة الحكم، بل محطة مفصلية في مسار سياسي–اقتصادي جديد، يُعاد فيه تعريف التنمية باعتبارها أداة استقرار، ويُعاد تعريف السياسة باعتبارها إدارة ذكية للاقتصاد والموارد والمجال.

إنها جولة تختصر معادلة الدولة الحديثة, سلطة قوية بشرعية القرب، واقتصاد يُبنى من الهامش قبل المركز، وتنمية تُدار بالعقل قبل الخطاب.