تطرح رؤية الكاتب علي محمد الشرفاء الحمادي تصورا عميقا لمشكلة العالم العربي والإسلامي حيث يرى أن أزمة الأمة ليست في قلة الموارد أو ضعف الإمكانات بل في الابتعاد عن المنهج القرآني الذي وضع الأسس الواضحة لوحدة المجتمعات الإنسانية وتحقيق العدل والسلام ويؤكد الكاتب أن القرآن لم يترك أمر العلاقات بين المسلمين أو بين الشعوب المختلفة بلا ضوابط بل رسم استراتيجية متكاملة لو التزم بها المسلمون لتغير واقعهم جذريا.
يرتكز هذا التصور على ثلاث آيات قرآنية يراها الكاتب بمثابة ركائز استراتيجية لبناء قوة الأمة فالآية الأولى من سورة آل عمران
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا
تقدم الأساس الأول وهو الوحدة فالوحدة في هذا المنظور ليست شعارا عاطفيا بل نظام عمل سياسي واجتماعي قائم على التمسك بالقيم الإلهية المشتركة التي تمنع التنازع والتشرذم ويرى الكاتب أن غياب هذا المبدأ هو ما فتح الباب أمام الصراعات الداخلية والتفكك الذي أصاب الأمة عبر التاريخ
أما الركيزة الثانية فتتمثل في قوله تعالى في سورة المائدة
وتعاونوا على البر والتقوى
وهنا ينتقل الخطاب من مجرد الوحدة الشكلية إلى التعاون العملي في مجالات الخير والتنمية وبناء المصالح المشتركة فالتعاون في هذا السياق يشمل الاقتصاد والعلم والدفاع والتنمية الاجتماعية بما يحول الأمة إلى شبكة متكاملة من المصالح المتبادلة التي تمنع الصراع وتدعم الاستقرار
وتأتي الركيزة الثالثة في قوله تعالى في سورة الأنفال
واطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم
ويرى الكاتب أن هذه الآية تكشف البعد السياسي والاستراتيجي بوضوح إذ تحذر من أن التنازع يقود إلى الفشل وفقدان القوة فالقوة هنا ليست مجرد قوة عسكرية بل قوة حضارية واقتصادية وسياسية تضيع عندما تتحول الخلافات إلى صراعات مفتوحة بين الدول أو القوى داخل الأمة
ومن خلال الجمع بين هذه الآيات الثلاث يقدم الكاتب رؤية مفادها أن القرآن وضع إطارا متكاملا لبناء منظومة حضارية تقوم على ثلاثة مبادئ
الوحدة والتعاون وتجنب التنازع ولو تحولت هذه المبادئ إلى مؤسسات عملية واستراتيجيات سياسية واقتصادية مشتركة بين الدول الإسلامية لكانت النتيجة بحسب رؤية الكاتب نشوء قوة عالمية قادرة على نشر قيم العدل والسلام لا من خلال الهيمنة أو الصراع بل عبر التعاون الإنساني والمصالح المشتركة مع شعوب العالم
كما يلفت الكاتب إلى أن الهدف من هذه المنظومة ليس السيطرة على العالم بقدر ما هو تحقيق رسالة القرآن في نشر الرحمة والعدل وحماية حرية الإنسان في الاعتقاد والعيش الكريم فالعلاقات مع الشعوب الأخرى في هذا التصور تقوم على المعروف والحسنى وتبادل المنافع وهو ما يفتح المجال أمام عالم يسوده الاستقرار والتكامل الحضاري
لكن الواقع المعاصر كما يراه الكاتب يسير في الاتجاه المعاكس لهذه المبادئ فبدل الوحدة ظهرت الانقسامات وبدل التعاون سادت الصراعات وبدل معالجة الخلافات مبكرا تحولت إلى حروب مدمرة بين دول شقيقة ويرى أن هذا المسار ليس مجرد خطأ سياسي عابر بل نتيجة الابتعاد عن توجيهات القرآن والتحذيرات الواضحة من عواقب التنازع
وتخلص هذه القراءة إلى أن رسالة الكاتب هي دعوة لإعادة بناء الفكر السياسي والاجتماعي في العالم العربي والإسلامي على أساس قرآني واضح حيث تتحول الآيات من نصوص تتلى إلى مبادئ استراتيجية تدار بها الدول والعلاقات بين الشعوب فحين يصبح القرآن مرجعا عمليا في إدارة الخلافات وبناء التعاون يمكن للأمة أن تستعيد دورها الحضاري وتساهم في بناء عالم أكثر عدلا وسلاما
مجدى طنطاوى يكتب الاستراتيجية القرآنية لوحدة الأمة في فكر علي محمد الشرفاء الحمادى

