الموضوع: التقشف الحقيقي يبدأ من الدولة لا من المواطن
تحية تقدير واحترام،
إن التقشف الذي يُطلب فيه من المواطن أن يشد الحزام، بينما تظل الدولة تنفق كما كانت، ليس تقشفا في جوهره، بل اختلال بيّن في ميزان العدالة، ومساس غير مباشر بمشروعية القرار نفسه. إذ لا يستقيم خطاب الترشيد ما لم يبدأ من حيث يكمن الهدر الحقيقي داخل أجهزة الدولة، لا على عاتق الفئات الهشة.
ففي بلد مثل موريتانيا، لا يمكن أن يكون للتقشف معنى أو أثر، ما لم يُبنَ على قاعدة واضحة وهي أن الدولة تُقشف أولا، قبل أن تطلب من مواطنيها التقشف.
فالتقشف الحقيقي يبدأ من:
تقليص مواكب السيارات الرسمية،
وتخفيض نفقات السفريات والبعثات،
ووقف المهرجانات والفعاليات المكلفة،
وإحكام ضبط الصفقات العمومية.
أما التقشف العادل، فهو الذي يستهدف مكامن الهدر بدل أن يُرحّل كلفته إلى المواطن، وذلك عبر:
- خفض نفقات السيارات والوقود والبعثات في المقام الأول
- وقف الإنفاق الدعائي غير المنتج
- دمج المؤسسات المتشابهة بدل تضخيم الهياكل وتكرار الاختصاصات
- إحكام الرقابة على الصفقات العمومية، باعتبارها من أكبر منافذ تسرب المال العام
- ترشيد الوظائف غير الإنتاجية، عبر تقليص جحافل المستشارين والمكلفين بمهام في الرئاسة والوزارة الأولى وباقي الوزارات والمؤسسات العمومية والبعثات الدبلوماسية ممن لا يؤدون وظائف فعلية أو لا يحققون مردودية تُذكر
- إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بما يقتضي تقليص ميزانيات بعض القطاعات غير الأساسية في أوقات الشح، مثل الثقافة، وتمكين الشباب، والسياحة
- إصلاح النظام الجبائي ليكون أكثر عدالة وشمولا، موجّها نحو الكتل المالية الكبرى بدل الضغط على الفئات الهشة
- إنشاء جهاز وطني مركزي للتزويد والتموين، يضع حدا لفوضى المزودين الذين يرفعون الأسعار ويخفضون الجودة ويُضخمون الفواتير
فخامة الرئيس،
لقد بلغ المواطن حدا لم يعد معه قادرا على تحمل أعباء إضافية، في حين ما تزال نفقات التسيير، والامتيازات، والسفريات، والأنشطة الشكلية، تستهلك جزءا معتبرا من المال العام دون أثر تنموي ملموس.
إن التقشف الذي يمس بالصحة أو يُضعف التعليم أو يُثقل كاهل المواطن البسيط ليس تقشفا، بل مخاطرة مباشرة بالاستقرار الاجتماعي. فالصحة، والتعليم، والماء، والغذاء، ليست مجالات تقشف، بل ركائز حماية وصيانة للدولة نفسها.
إن الدولة التي تبدأ بنفسها تكسب ثقة شعبها، وتُؤسس لعقد أخلاقي متين مع مواطنيها. أما التي تطلب التضحية دون أن تقدم نموذجا، فإنها تُنتج الشك بدل الثقة، وتُضعف الالتزام بدل أن تعززه. فحين يرى المواطن أن الدولة تُقشف قبل أن تطلب منه ذلك، يتحمل معها. أما إذا طُلب منه أن يدفع وحده، فلن يرى في ذلك إلا ظلما.
فخامة الرئيس،
إن التقشف، في حقيقته، ليس مجرد إجراء مالي، بل هو قرار أخلاقي وسياسي في آن واحد. والتقشف العادل لا يُضعف الدولة، بل يقويها، ويُعيد ترتيب أولوياتها، ويُعزز ثقة مواطنيها فيها.
وتفضلوا، فخامة الرئيس بفائق الاقدير والاحترام

