في مشهد مصري بهيج يعكس تلاحم النسيج الوطني وروح الأخوة في وجدان الشعب، جاءت زيارة وفد مؤسسة “رسالة السلام” بمشاركة كوكبة متألقة من قيادات المؤسسة إلى كنيسة مار جرجس بالمطرية لتهنئة الإخوة الأقباط بعيد القيامة المجيد، لتؤكد من جديد أن مصر ليست مجرد وطن يجمع أبناءه، بل نموذج إنساني فريد للتعايش والمحبة.
وتجلّت أهمية هذه المناسبة في طرح فكري عميق يعزز جسور التفاهم بين أتباع الديانات، من خلال الإشارة إلى كتاب “القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية” للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي يمثل محاولة جادة لإبراز مساحات الاتفاق الروحي والإنساني بين الأديان السماوية، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى خطاب يعلي من المشتركات ويحد من أسباب الفرقة.
ووسط أجواء مفعمة بالود والتقدير، حملت هذه الزيارة رسالة تتجاوز حدود المجاملة إلى آفاق أرحب من التأكيد على وحدة المصير الإنساني، حيث شدد الدكتور معتز صلاح الدين، رئيس مجلس أمناء المؤسسة بالقاهرة، على أن قيم السلام والأخوة الإنسانية ليست شعارات، بل مسؤولية مشتركة تعمل المؤسسة على ترسيخها داخل مصر وخارجها، عبر مبادرات فكرية وثقافية تمتد إلى مختلف دول العالم.
إن الرسالة التي حملها هذا اللقاء لا تنفصل عن التاريخ المصري الطويل في ترسيخ الوحدة الوطنية، وهو ما استحضره الدكتور معتز صلاح الدين بالإشارة إلى ثورة 1919 التي جسدت أروع صور التلاحم بين المسلمين والمسيحيين، وكذلك موقف القمص سرجيوس الذي اعتلى منبر الأزهر الشريف، في مشهد خالد يختصر قرونًا من التعايش المشترك.
كما برزت في كلمة رسالة السلام دلالة عميقة لعبارة البابا تواضروس الثاني: “وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن”، وهي عبارة تختزل فلسفة الانتماء الحقيقي، حيث يتقدم الحفاظ على الوطن ووحدته على أي اعتبار آخر، لتصبح الأرضية المشتركة التي يقف عليها الجميع.
ولعل اللافت في هذا المشهد هو التأكيد على أن مصر، بتاريخها وحضارتها الممتدة، لم تكن يومًا ساحة صراع ديني، بل منارة للتسامح، حيث يعيش أبناؤها في نسيج واحد يصعب فيه التمييز بينهم، كما أشار اللورد كرومر في مقولته الشهيرة، في دلالة على عمق الاندماج المجتمعي بين المصريين.
إن زيارة مؤسسة “رسالة السلام” لكنيسة مار جرجس لم تكن مجرد حدث عابر، بل تجسيد حي لفكرة أن الحوار والتواصل هما السبيل الحقيقي لمواجهة دعوات الفرقة، وأن المؤسسات الفكرية والثقافية يقع على عاتقها دور محوري في نشر ثقافة السلام، ليس فقط داخل الأوطان، بل على مستوى العالم.
وفي زمن تتزايد فيه التحديات والانقسامات، تبقى مثل هذه المبادرات بمثابة ضوء يذكرنا بأن ما يجمع البشر أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن الرسالات السماوية، في جوهرها، جاءت لتؤكد قيمة واحدة خالدة: المحبة.
هكذا، من قلب الكنيسة، خرجت رسالة سلام… رسالة تقول إن مصر ستظل دائمًا أرض اللقاء، وأن شعبها، رغم كل التحديات، قادر على أن يقدم للعالم نموذجًا حيًا في التعايش والوحدة والإنسانية.
أسامة إبراهيم يكتب: رسالة السلام ترسخ روح الأخوة بين أبناء الوطن

