الإعاقة لا تمنع القيادة/الولي سيدي هيبه

الإعاقة لا تمنع القيادة/الولي سيدي هيبه

بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص ذوي الإعاقة، يبرز سؤال جوهري لا يحتمل التأجيل، لماذا نفتقر في موريتانيا إلى وجود أشخاص من ذوي الإعاقة في المناصب القيادية العليا، بما فيها الحقائب الوزارية، رغم ما يزخر به هذا المجتمع من كفاءات علمية وثقافية وإعلامية رفيعة، وخبرات مهنية متراكمة، وشخصيات مشهود لها بالقدرة والتميز؟ وهل الإعاقة الجسدية هي العائق الحقيقي؟ وهل المناصب العليا حكر على أصحاب البنية الجسدية السليمة.

إن كان الأمر كذلك، فنحن نختزل القيادة في سلامة الجسد، بينما تقوم في حقيقتها على رجاحة العقل، وسداد الرأي، وقوة الإرادة، وحسن التدبير، والقدرة على اتخاذ القرار.

لقد أثبت التاريخ، قديما وحديثا، أن الإعاقة الجسدية لم تكن يوما حاجزا أمام القيادة وصناعة الإنجاز. فقد استخلف النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم مكتوم، وهو كفيف البصر، على المدينة المنورة في عدد من الغزوات، ثقة بكفاءته وأمانته وحسن إدارته لشؤون الناس. وفي العصر الحديث تولى طه حسين، رغم فقدانه البصر، وزارة المعارف في مصر، وقاد مشروعا إصلاحيا ترك أثرا عميقا في التعليم والفكر العربي، فأصبح أحد أبرز رموز النهضة الثقافية. كما قاد فرانكلين ديلانو روزفلت الولايات المتحدة وهو يستخدم كرسيا متحركا، وأسهم في قيادة الحلفاء إلى النصر في الحرب العالمية الثانية، وكان من أبرز مهندسي النظام الدولي بعد الحرب.

تؤكد هذه النماذج أن القيادة تقاس بسلامة الفكر، وعمق المعرفة، وقوة الشخصية، والقدرة على التخطيط والابتكار واتخاذ القرار، لا بسلامة الجسد. أما الإقصاء القائم على تصورات نمطية، فلا يظلم أصحاب الكفاءات فحسب، بل يحرم الوطن من طاقات قادرة على الإسهام في التنمية والإصلاح.

إن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من الوصول إلى مواقع المسؤولية ليس منحة ولا مجاملة، بل استحقاق تفرضه العدالة، ويؤكده الدستور، وتقتضيه المصلحة الوطنية. فالدولة التي تجعل الكفاءة معيارا للتكليف هي الدولة التي تحسن استثمار جميع طاقاتها البشرية دون تمييز.

وفي هذا اليوم الوطني، ينبغي أن تصل الرسالة واضحة إلى صناع القرار: إن الوطن لا يحتاج إلى أجساد كاملة بقدر حاجته إلى عقول مبدعة، وإرادات صلبة، وضمائر مخلصة. وحين تصبح الكفاءة وحدها معيار المسؤولية، سنكتشف أن بين الأشخاص ذوي الإعاقة من يستطيع قيادة وزارة أو مؤسسة أو مشروع وطني بكفاءة قد تضاهي غيره أو تتفوق عليه.

إن الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد، بل في النظرة التي تحرم الوطن من الاستفادة من كفاءات أثبتت قدرتها على العطاء، ولا تنتظر سوى فرصة عادلة. وما الذي يمنع أن نرى قريبا وزراء ومسؤولين كبارا من ذوي الإعاقة يتولون مواقع القيادة بجدارة واستحقاق؟ إنهم لا يحتاجون إلى شفقة، ولا إلى استثناء، بل إلى تكافؤ الفرص، وإلى معيار واحد هو الكفاءة.

لقد آن الأوان لأن تترجم القناعة إلى قرار، وأن تتحول المبادئ إلى ممارسة، حتى تثبت موريتانيا أن القيادة حق لكل كفء، وأن الإعاقة ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية إنجاز أكبر. وعندها فقط سيكون الاحتفاء بهذا اليوم الوطني احتفاء بالفعل، لا بالشعار.