متابعة - عبد العزيز اغراز
انطلقت صباح الاثنين 2 ربيع الآخر الموافق ل14 سبتمبر 2026 بالعاصمة الموريتانية نواكشوط فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين من مؤتمر السيرة النبوية، الذي ينظمه التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا، تحت الرعاية السامية للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وبإشراف وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، بمشاركة علماء وباحثين وأئمة ومفكرين وشخصيات دينية وثقافية من موريتانيا وعدد من الدول العربية والإفريقية والإسلامية.
واستُهلت فعاليات المؤتمر بتلاوة آيات بينات من القرآن الكريم، أعقبتها مراسم الاستماع إلى النشيد الوطني الموريتاني، قبل تقديم فقرات في المديح النبوي، وعرض وثائقي يستعرض المسار التاريخي للمؤتمر منذ انطلاقه سنة 1989، إلى جانب فقرات مخصصة للشباب والأقليات المسلمة والعلماء والأئمة والهيئات العلمية والدينية.
وفي كلمته خلال الافتتاح، أكد فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أن التنوع والاختلاف من الخصائص الملازمة للوجود الإنساني، مشددًا على أن كرامة الإنسان ثابتة له باعتباره إنسانًا، ولا تتوقف على العرق أو اللون أو غير ذلك من الخصائص.
وأوضح أن التحدي يتمثل في حسن إدارة هذا التنوع بما يحول دون تحوله إلى انقسام وتفكك، مبرزًا أهمية الهدي النبوي في ترسيخ قيم قبول الآخر والعدل والإنصاف. وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل المسلمين من العصبية القبلية الضيقة إلى مفهوم الأمة الجامعة، القائمة على روابط تتجاوز الانتماءات الجزئية.
كما أبرز توجه موريتانيا نحو الحوار مع مختلف الأطراف وقبول الاختلاف، إلى جانب تعزيز المؤسسات وسيادة القانون والعدالة، ومحاربة الفقر والإقصاء، وترسيخ التماسك الوطني والقيم المشتركة، مؤكدًا الدور المحوري للعلماء والمفكرين والباحثين في تقديم الفهم الصحيح للدين وتعزيز الوسطية والاعتدال.
من جهته، أكد معالي الشيخ محمد الحافظ النحوي، رئيس التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا، أن حضور الرئيس الموريتاني افتتاح المؤتمر يمثل دعمًا لرسالته العلمية والدينية، معتبرًا أن العناية بالسيرة النبوية ينبغي ألا تقتصر على الجانب المعرفي، بل تمتد إلى استلهامها في بناء الإنسان والمجتمع.
وشدد على أن النبي صلى الله عليه وسلم جسد في سيرته قيم الرحمة والعدل وحسن التعامل مع المخالف، وأن المجتمع الذي أسسه استطاع الجمع بين تعدد الأعراق والأديان والانتماءات وبين حفظ الحقوق وإقامة العدل.
ودعا إلى جعل السيرة النبوية مشروعًا لبناء الإنسان وتعزيز الوحدة الوطنية ونشر الاعتدال ورفض التطرف، معتبرًا أن استحضارها يمثل دعوة إلى التعارف والحوار والتعاون وإدارة الاختلاف بالحكمة والمسؤولية.
بدوره، أشاد الشيخ آدم شاهدوف، مستشار الرئيس الشيشاني، بالرعاية الموريتانية للمؤتمر، معتبرًا أن العناية بالسيرة النبوية تمثل رافدًا مهمًا في مواجهة التطرف وترسيخ الثوابت الدينية، وفي مقدمتها العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف الجنيدي.
وأبرز المكانة التاريخية لموريتانيا باعتبارها منارات للعلم والمعرفة في العالم الإسلامي، مشيرًا إلى الدور الذي اضطلعت به المحاظر والعلماء الموريتانيون في نقل العلوم الشرعية إلى مختلف الأقطار، وصولًا إلى الحجاز والأزهر وغيرها من المراكز العلمية.
كما توقف عند أهمية التواصل العلمي والروحي بين نواكشوط وغروزني، معتبرًا أن اللقاءات العلمية من هذا النوع تسهم في تعزيز جسور التعاون بين العلماء والمؤسسات الدينية، واستحضار النموذج النبوي في التعارف والتآخي، كما تجسد ذلك في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وفي مداخلته، أبرز الدكتور مصطفى زهمني، ممثل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، المكانة العلمية والروحية لموريتانيا، باعتبارها أرضًا للعلم والعلماء والصلاح، مستحضرًا البعد العالمي للرسالة النبوية التي أخرجت الإنسان من عبادة البشر إلى عبادة الله.
وأشار إلى الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى العلماء للإحتفاء بمرور خمسة عشر قرنًا على مولد النبي صلى الله عليه وسلم، كما لفت المتدخل الى خطة «تسديد التبليغ» وترشيد الخطاب الديني التي تبناها المجلس العلمي الأعلى بما يخدم مقاصد الشريعة ويعزز الاعتدال.
ويشارك في المؤتمر كذلك الأمين العام لهيئة علماء موريتانيا الشيخ ولد صالح الأمين، والأمين العام لجائزة القرآن الكريم العالمية الشيخ عبد الملك أنياس، ووزير الدولة الجزائري وعميد جامع الجزائر الشيخ محمد المأمون القاسمي، ووزير الشؤون الدينية الإندونيسي البروفيسور الدكتور نصر الدين عمر، إلى جانب علماء وباحثين وأئمة وشخصيات دينية وثقافية من الدول العربية والإفريقية والإسلامية المشاركة.
كما جرى خلال حفل الافتتاح تقديم هدية للرئيس الموريتاني تمثلت في نسخة من المصحف الشريف ومجموعة من المؤلفات الموريتانية حول السيرة النبوية، في تعبير عن ارتباط المؤتمر بالتراث العلمي الموريتاني وإسهام علمائه في خدمة السيرة النبوية.
وتتواصل أعمال المؤتمر، الذي يحتضنه قصر المؤتمرات القديم والمركز الدولي للمؤتمرات «المختار ولد داداه» إلى غاية 16 سبتمبر الجاري، تحت شعار «الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات»، في مقاربة تستحضر السيرة النبوية باعتبارها مصدرًا للقيم التي تؤسس للحوار والتعايش والعدل والتعاون، وتساعد على تحويل الاختلاف من عامل للفرقة إلى مدخل للتعارف والتكامل.
ويستند موضوع الدورة إلى قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، من خلال بحث سبل استلهام النموذج النبوي في التعامل مع التنوع الديني والثقافي والاجتماعي، وترسيخ قيم قبول الآخر وحفظ الكرامة الإنسانية والحقوق، وتعزيز المشتركات بين المجتمعات.
وتشكل الدورة التاسعة والثلاثون امتدادًا لمسار علمي وثقافي بدأ سنة 1989، وأسهم على مدى عقود في جمع علماء ومفكرين وباحثين من موريتانيا والعالم العربي وإفريقيا والعالم الإسلامي، لمناقشة قضايا السيرة النبوية وصلتها بالتحولات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة.
ويبحث المشاركون خلال هذه الدورة مختلف أبعاد الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات، بما يعزز حضور السيرة النبوية باعتبارها مصدرًا للقيم الإنسانية والحوار والتعايش، ورافدًا لبناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على إدارة اختلافاتها بالحكمة والعدل.





