اختُتمت مساء الأربعاء 16 شتنبر الجاري، في العاصمة الموريتانية نواكشوط أعمال الدورة التاسعة والثلاثين للمؤتمر الدولي للسيرة النبوية، التي انعقدت على مدى ثلاثة أيام تحت عنوان «الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات»، بمشاركة علماء ومفكرين وباحثين وأئمة من موريتانيا وعدد من الدول العربية والإفريقية والإسلامية.
وأكد وزير الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي الموريتاني، الفضيل ولد سيداتي ولد أحمد لولي، في كلمة خلال الجلسة الختامية، أن المؤتمر جمع نخبة من علماء الأمة ومفكريها وباحثيها حول موضوع يرتبط بصورة مباشرة بواقع المجتمعات ومستقبلها، مشيرًا إلى أن أعمال الدورة انطلقت من رؤية أكدها رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني في كلمته الافتتاحية، ومفادها أن التنوع سنة من سنن الله في خلقه، وأن التحدي يكمن في حسن إدارته وتدبيره.
وأوضح الوزير أن البحوث والمداخلات والنقاشات أكدت أن التنوع، حين يُدار بالحكمة، يمكن أن يتحول من عامل للتباعد إلى مصدر للإثراء، وأن الاختلاف، إذا ضُبط بالعلم والأخلاق والعدل والإنصاف، يصبح مجالًا للتكامل، فيما تمثل القواسم المشتركة أساسًا لتعزيز الوحدة والتعاون بين المجتمعات.
وشدد على أن السيرة النبوية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مادة تاريخية فحسب، وإنما بوصفها منهجًا متجددًا في بناء الإنسان وإدارة المجتمع، داعيًا إلى تحويل مخرجات المؤتمر إلى رصيد معرفي وعملي يسهم في ترسيخ ثقافة الحوار والاعتدال، وتعزيز التماسك المجتمعي، وتحصين الأجيال من خطابات الغلو والكراهية والتعصب.
من جانبه، أكد رئيس التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا، فضيلة الشيخ محمد الحافظ النحوي، أن المؤتمر شكل فضاءً لاستحضار الهدي النبوي والاقتداء بمنهجه القائم على الرحمة والتآلف والتعاون، داعيًا إلى تعزيز المشتركات واحترام تعدد الآراء وتجنب تأزيم الخطاب، بما يحافظ على قيم التواصل والتكامل والتعاضد داخل المجتمعات.
واستحضر الشيخ النحوي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، مؤكدًا أهمية صيانة نسيج التواصل بين مكونات المجتمع، كما دعا إلى نصرة المسجد الأقصى والقدس، في ظل التطورات التي تشهدها القضية الفلسطينية.
ووجّه رئيس التجمع الثقافي الإسلامي الشكر إلى رئيس الجمهورية الموريتانية على الرعاية السامية التي حظي بها المؤتمر، وإلى الحكومة ووزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، وكافة الجهات المساهمة في تنظيم الدورة وإنجاحها، مثمنًا المشاركة العلمية للوفود القادمة من مختلف البلدان.
وباسم الوفود المشاركة، أشاد الشيخ عبد العزيز ساربا من ساحل العاج بأهمية انعقاد الدورة التاسعة والثلاثين، معتبرًا أنها أتاحت لعلماء ومفكري وباحثي العالم الإسلامي فرصة لتبادل الرؤى بشأن سبل استلهام الهدي النبوي في التعامل مع التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات.
وثمّن ساربا الرعاية السامية التي حظي بها المؤتمر والجهود التنظيمية التي بذلتها وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي والتجمع الثقافي الإسلامي، مبرزًا أهمية ما طرحته الجلسات من رؤى حول الحوار والتعايش والتآلف وإدارة الاختلاف، وضرورة ترجمة هذه القيم إلى ممارسات عملية تعزز تماسك المجتمعات.
وعلى مدى جلسات المؤتمر، تناول المشاركون أبعادًا متعددة للهدي النبوي في إدارة التنوع الديني والثقافي والاجتماعي، مستندين إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وباحثين في سبل ترسيخ الحوار والتعايش والعدل والإنصاف، وتحويل الاختلاف من عامل للتباعد إلى فرصة للتعارف والتكامل، مع صون الكرامة الإنسانية والحقوق وتعزيز القواسم المشتركة بين مختلف مكونات المجتمعات.
كما حضرت القضية الفلسطينية في عدد من المداخلات، حيث عبّر المشاركون عن أهمية التضامن مع الشعب الفلسطيني ودعم القدس والمسجد الأقصى، في إطار قيم الأخوة والتضامن التي تؤكدها المرجعية الإسلامية.
وتأتي الدورة التاسعة والثلاثون امتدادًا لمسار علمي وثقافي انطلق سنة 1989، وتحول على مدى عقود إلى منصة تجمع علماء ومفكرين وباحثين من موريتانيا والعالم العربي وإفريقيا والعالم الإسلامي، لمناقشة قضايا السيرة النبوية واستجلاء صلتها بالتحديات والتحولات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة.
واختُتم المؤتمر بالتأكيد على أهمية الاستفادة من مخرجات الدورة وتفعيل توصياتها وتوسيع دائرة الانتفاع بها، بما يجعل دراسة السيرة النبوية جسرًا بين المعرفة والممارسة، ومصدرًا لاستلهام قيم الرحمة والحوار والتعايش وإدارة الاختلاف بالحكمة والعدل.


