على محمد الشرفاء يكتب... الانقلاب المبكر على القرآن وكيف ضاعت الامة منذ اللحظة الاولى

على محمد الشرفاء يكتب... الانقلاب المبكر على القرآن وكيف ضاعت الامة منذ اللحظة الاولى

منذ اللحظة التي غاب فيها الرسول عليه السلام عن الدنيا، بدأ الاختبار الحقيقي للمسلمين، لا في الشعارات ولا في العاطفة، بل في مدى الالتزام بشرعة الله ومنهاجه كما أُنزل، دون زيادة ولا نقصان. فقد كان القرآن هو المرجع الوحيد الذي تركه الرسول للناس، كتابًا حاكمًا ومنهجًا ضابطًا للعلاقات والحقوق والواجبات.

 لكن ما حدث بعد ذلك كان أول انحراف خطير، حين تم تجاوز هذا المرجع الإلهي، والبدء في إدارة شؤون الأمة باجتهادات بشرية لا تستند إلى نص قرآني حاكم؛ فكان ذلك بداية هجر القرآن، لا لفظًا بل حكمًا وتطبيقًا.

وسرعان ما تحول الخلاف السياسي إلى صراع دموي، فسُفكت الدماء بين من قاتلوا معًا دفاعًا عن الرسول، وما يحمله من رسالة مقدسة لسعادة الناس أجمعين. 

فثلاثة من الخلفاء تم اغتيالهم، ووقعت معركة الجمل بين ابن عم الرسول وزوجته عائشة، ثم جاءت معركة صفين بين الأقارب، علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، ثم تتابعت الصراعات بين الأمويين والعباسيين، وتوالت الحروب والغزوات بينهم، حتى أصبح القتال على السلطة هو القاعدة لا الاستثناء.

والأخطر من ذلك أنه تم تبرير كل هذه الكوارث، وتوصيفها بأنها مرحلة الخلافة الراشدة، وكأن الرشد يمكن أن يقترن بسفك الدماء وسقوط الأبرياء دون مرجعية قرآنية واضحة. 

فأي رشد هذا؟ وأي منطق يقبل أن تكون الحروب الداخلية والاغتيالات والانقلابات نموذجًا للحكم الإسلامي، بينما القرآن يقرر بوضوح أن الحكم لا يكون إلا بالعدل، وأن الدماء محرمة، وأن الاختلاف لا يبرر الاقتتال؟

ثم جاءت واقعة قتال الممتنعين عن الزكاة، رغم أن القرآن لم يرد فيه حكم بقتال من امتنع عن عبادة، لأن العبادات كلها بين العبد وربه، والحساب فيها مؤجل ليوم القيامة، لا بيد سلطة ولا خليفة. 

وهنا تم تكريس مبدأ خطير، وهو تحويل الدين من علاقة بين الإنسان وربه إلى أداة قهر، وسيف مسلط على الناس باسم الطاعة.

ومع تعاقب الأجيال، ازداد الابتعاد عن القرآن، وتحول من كتاب هداية وتشريع إلى كتاب تلاوة وبركة وطقوس وأدعية للأرزاق وفتح الأبواب، بينما غابت مقاصده وجواهره، وتلاشت خارطة السعادة والطمأنينة والأمن التي جاء بها للإنسان. 

فأصبح المسلم يعيش في ضنك وشقاء، رغم كثرة العبادات، لأن المنهاج الإلهي غاب عن واقع الحياة.

وتوالت الانحرافات، حتى خرجت الجيوش لغزو فارس وأوروبا باسم الإسلام، لا باسم القيم القرآنية، وانتقلت الصراعات الداخلية إلى صراعات توسعية لا أخلاقية. 

فتمزق الجمع، وتفرقت الأمة، وتحولت الخلافة إلى ملك عضوض، تتغير فيه الدول والإمارات على بعضها، دون وازع ديني أو أخلاقي، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من تشتت وضياع واغتراب عن جوهر الدين.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبلا مواربة: ألم يحن الوقت أن يستعيد العقل المسلم رشده، وأن يعود إلى المرجع الإلهي الوحيد الذي أمره الله باتباعه، حين قال: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب»؟ فهل يُعقل أن يبقى القرآن مهمشًا، بينما تتصدر أقوال البشر واجتهاداتهم المشهد، وكأنها دين منزل؟

إن ما جرى في تاريخ المسلمين ليس سرًا ولا مؤامرة، بل نتيجة طبيعية للانصراف عن شرعة الله ومنهاجه، واتباع أولياء من دون الله، كما حذر القرآن صراحة بقوله: «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء». 

فترك الله للإنسان حرية الاختيار بين طريقين لا ثالث لهما: إما طريق الهداية والطمأنينة والنجاة، وإما طريق الضلال والنكد والشقاء في الدنيا، والحساب في الآخرة.

والقرآن ما زال بين أيدينا، لم يتغير ولم يتحرف، لكن الذي تغير هو موقعه في حياتنا. 

فإما أن نعيده إلى موضعه الطبيعي، حاكمًا ومرجعًا ومنهاجًا، أو نستمر في الدوران داخل دائرة الفشل والفرقة والصراع، ثم نتساءل: لماذا ضاعت الأمة؟ ولماذا غابت السعادة والعدل والسلام؟

اللهم إني بلغت،
اللهم فاشهد.