قبل ان ابدا هذا المقال اوضح بصدق لا لبس فيه انني لا اقصد الاساءة الى احد بعينه ولا الطعن في شيخ ولا التقليل من قدر احد وانما غايتي الوحيدة هي البحث عن الحقيقة والاجابة عن سؤال اتعب المسلمين وارهق عقولهم وشتت بوصلتهم وهو سؤال التناقض الصارخ بين ما نرفعه من شعارات وما نمارسه من مواقف وبين ما نقدسه من اشخاص وما نهجره من اصول وفي مقدمتها القران
نعيش اليوم حالة من الجدل الحاد والتلاسن الذى يصل عند البعض الى السباب والتخوين بل والتكفير لمجرد ان يجهر انسان برفض احاديث تنسب الى رسول الله وهي تخالف القران صراحة او تصادم العقل السليم الذى وهبه الله لكل البشر لا لطائفة دون اخرى فيتحرك التيار السلفي المتشدد مدافعا عن هذه الروايات لا باعتبارها حقا ثابتا بل باعتبار رفضها جريمة عقدية ويطلقون عبارات صادمة من قبيل من تمسك بالسنة فقد نجا ومن تمسك بالقران فقد ضل وكفر وكأن القران اصبح خصما للسنة لا اصلها ومرجعها
ثم تقع المفارقة العجيبة حين يخرج علينا الشيخ ابو اسحاق الحويني رحمه الله فينكر احاديث طالما سمعناها منذ طفولتنا على منابر المساجد وعلى السنة المشايخ اصحاب العمائم ويوبخ الخطباء على روايتها لانها لا تثبت عنده وفق منهجه الصادم في قبول الحديث وهو منهج واضح ومعلن يعتمد على اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وانتفاء الشذوذ وانتفاء العلة والجمع بين الطرق والنظر في اختلاف اقوال الائمة وعدم التعصب لكتاب او عالم وعدم مخالفة القران والسنة الثابتة والالتزام بمنهج المحدثين المتقدمين
وهنا تحدث الصدمة لا في المنهج بل في العقول فذات الاصوات التى تسب وتكفر وتخوّن كل من رفض حديثا لمخالفته القران تصمت تماما بل وتصفق حين يصدر الرفض من الحويني وتبرره بانه محدث تلميذ الالباني وله حق القبول والرد وكأن الحق اصبح مرتبطا بالاسم لا بالمنهج وبالشخص لا بالمبدأ
اي عقل هذا واي منطق يحكم هذه المواقف هل جلس الالباني او الحويني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجلوا عنه الاحاديث ام انهم بشر اجتهدوا فقبلوا وردوا بعقول وهبها الله لهم وهي ذات العقول التى وهبها الله لبقية الامة بلا استثناء
ان المشكلة الحقيقية ليست في الحويني ولا في الالباني ولا في غيرهم بل في تقديس الاشخاص على حساب قدسية المبادئ وفي تحويل المنهج العلمي الى امتياز طبقي لا يحق لعامة المسلمين الاقتراب منه وكأن التفكير والتدبر حكر على فئة بعينها
لقد انزل الله القران ليكون الميزان والفرقان والحاكم لا المحكوم قال تعالى
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
وقال سبحانه
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ
فكيف يستقيم ان نجرم من يحتكم الى هذا الكتاب ونقدس من يحتكم الى الرجال وكيف نقبل رد الحديث اذا صدر من شيخ ونكفر من رد الحديث اذا صدر من انسان عادى رغم ان الميزان واحد والمعيار واحد
ان هجر القران لا يكون فقط بعدم تلاوته بل يكون ايضا بتعطيل سلطانه وتحويله الى نص للبركة لا مرجعية للحكم والفهم وان اخطر ما اصاب الامة هو هذا التناقض الذى جعل الدين صراعا بين اسماء لا بحثا عن حق وبين اشخاص لا التزاما بمنهج
الخلاصة ان ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الاصنام البشرية ولا مزيدا من الصراخ بل العودة الصادقة الى قدسية المبادئ واحترام العقل الذى كرمه الله وجعل القران هو الحكم الاول والاخير فما وافقه قبلناه وما خالفه رددناه كائنا من كان دون سب ولا تكفير ولا تقديس لان الحق لا يعرف بالرجال بل الرجال يعرفون بالحق
مجدى طنطاوى يكتب ... بين قدسية المنهج وتأليه الاشخاص

