المنتدى السعودي للإعلام 2026.. "الإعلام في عالم يتشكل"

المنتدى السعودي للإعلام 2026.. "الإعلام في عالم يتشكل"

انتهى عصر "الإعلام المراقب" بشكل حاسم ولا رجعة فيه، فاليوم، لم يعد هذا القطاع الحيوي مجرد مرآة عاكسة تسجل الأحداث والوقائع ببرود، بل تحول جذريًا إلى قوة دافعة لا يمكن تجاهلها، ومهندس رئيسي نشط يشارك بفاعلية في نحت وتشكيل نسيج الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وصياغة مساراته وتوجهاته المستقبلية بدقة متناهية، وهذا التحول ليس مجرد تغيير في الدور، بل هو اعتراف بمركزية الإعلام كلاعب أساسي لا يمكن فصله عن أي نموذج تنموي تطبقه أي دولة، لقد أصبح الإعلام صانعًا للبيئة المعرفية، التي تحدد قرارات الأفراد وتوجهات المجتمعات، ما يضاعف من أهمية كل رسالة وكل محتوى يُبث.
وهذه القناعة الراسخة والأهمية المتعاظمة هي بالضبط ما يجسده شعار المنتدى السعودي للإعلام 2026، الذي ينطلق تحت مظلة العنوان الملهم الذي يعكس المرحلة الراهنة: "الإعلام في عالم يتشكل"، وإنها دعوة للتفكير العميق في مسؤولية الإعلام تجاه هذا العالم المتغير باستمرار، حيث تتسارع وتيرة الأحداث وتتداخل الخيوط، وهذا الشعار يتخطى مجرد وصف المشهد الراهن ليدعو إلى امتلاك زمام المبادرة داخله، لا سيما أن العالم يكتب فصوله الآن في زمن الثورة الرقمية، ويمنح هذا التطور المقاعد الأولى للذين يدخلون مبكرًا إلى ساحات الابتكار والإبداع، ويحتضنون أدوات الذكاء الاصطناعي ويستثمرون في منصات المستقبل، بدلاً من أن يكونوا مجرد متابعين ينتظرون اكتمال الصورة.
وهنا يكمن جوهر اللحظة، التنافس تجاوز كونه خيارًا استراتيجيًا، وأصبح قاعدة للحضور والبقاء، ففي ظل هذا التدفق الهائل للمعلومات، لم يعد هامش الخطأ مقبولاً، وأصبح المعيار الحاكم هو قدرة المؤسسة الإعلامية على التأثير الفوري والإيجابي، إنه عصر يتطلب من الإعلاميين الانتقال من مرحلة نقل الخبر إلى مرحلة صناعة القيمة المضافة والمعرفة الرصينة، التي تصمد أمام تحديات الأخبار الزائفة والتضليل الممنهج.
وفي لحظة يقف فيها الإعلام العالمي عند مفترق طرق حرج، بين محتوى ضخم تصنعه التقنية كالخوارزميات والروبوتات، ومحتوى نوعي تصنعه المسؤولية والتأثير الحقيقي، يرفع المنتدى السعودي للإعلام شعار العالم يتشكل إعلاميًا الآن، ليؤكد أن معايير الجودة لم تعد تُكتب في كتب الإدارة والنظريات الأكاديمية فقط، إنما تصاغ عمليًا عبر الفئات المتخصصة ومعايير التحكيم ومقاييس التأثير الواقعي في الرأي العام والسياسات، والمحتوى الفعّال هو الذي يخلق فرقاً على الأرض، ويحفز النقاش البنّاء، ويدفع نحو التغيير الإيجابي، وليس مجرد المحتوى، الذي يحصد أعلى نسبة نقرات أو مشاهدات عابرة.
فالعالم الآن يعيد تشكيل صناعة الإعلام بينما يعيد تشكيل أدواته، والمملكة بخطوتها هذه تؤكد أن التنافس الحقيقي يبدأ بالمعيار، لا بالنتيجة، وأن من يربح في ضبط الجودة الآن، ويرسخ أسس المهنية والأخلاق في زمن السرعة، سيربح في اعتلاء صدارة المشهد الإعلامي والموثوقية الجماهيرية غدًا، وهذا التركيز على الجودة يُعد استثماراً طويل الأمد في مصداقية الإعلام ودوره في بناء مجتمع واعٍ ومستنير، بعيداً عن ضجيج السطحية وملاحقة الترندات الزائلة.