الواحد ما يعرفش قيمة أمه إلا لما يشوف مرات أبوه.
مثل شعبي مصري بسيط في كلماته، عميق في معناه، يكشف حقيقة لا يدركها البعض إلا بعد فوات الأوان. فالوطن مثل الأم؛ قد نختلف معها، نغضب منها، نلومها، لكننا لا نستبدلها، ولا نتآمر عليها، ولا نبيعها لمن لا يعرف قدرها.
في لقاءات الخارج رأيت الغربة الحقيقية، لا تلك التي تزينها الصور والأضواء.
غربة بلا دفء، ولا سند، ولا إحساس بالأمان, حياة منظمة نعم، لكنها باردة. قوانين صارمة، لكن القلوب موصدة. الكل هناك يشكو من الأسعار، ويعترض على السياسات، وينتقد الحكومات في العلن دون خوف، لكنهم يفصلون بوضوح بين الحكومة والوطن؛ يعارضون القرار ولا يطعنون الأرض، يرفضون السياسة ولا يخونون الراية.
في المقابل خرج علينا من سمّوا أنفسهم معارضة الخارج: إخوان مغرضون، وأقباط معارضون، وغيرهم، جمعهم هدف واحد هو الهجوم على الوطن ذاته، لا على سياسات بعينها. يختلفون في الشعارات، ويتفقون في الإساءة؛ يتحدثون عن الحرية وهم يمارسون التحريض، يرفعون لافتات حقوق الإنسان وهم يسقطون أبسط حق، وهو حق الوطن في أن يُحترم.
النقد حق بل واجب، والاختلاف سنة من سنن الحياة، لكن الفارق كبير بين من يعارض ليصلح، ومن يعارض ليهدم، بين من ينبه إلى خطأ، ومن ينتظر عثرة، بين من ينتمي، ومن يبحث عن منصة خارج الحدود ليجلد بها بلده أمام الغرباء.
نحن في بلادنا لدينا ما لا يراه البعض إلا إذا فقده. لدينا تكافل اجتماعي لا تصنعه القوانين بل تصنعه القلوب. إذا مرض أحد وجد من يسأل عنه، إذا تعثر شاب وجد من يسنده.
في أزماتنا نتقاسم الرغيف ونخفف عن بعضنا العبء. هذا ليس شعارًا بل ثقافة متجذرة.
ولدينا جيش نفخر به؛ جيش يد تبني ويد تحمل السلاح، يحفر قناة ويقيم طريقًا ويحرس حدودًا. وجوده ليس استعراض قوة بل ضمان بقاء، وفي منطقة تموج بالاضطراب تبقى الجيوش الوطنية حصن الشعوب لا سوطًا على ظهورها.
الوطن ليس حكومة عابرة، ولا قرارًا اقتصاديًا، ولا مرحلة سياسية. الوطن هو الناس، والتاريخ، واللغة، والقبور التي تضم أجدادنا، والأحلام التي نحملها لأولادنا.
من حقك أن تعارض، ومن حقك أن تصرخ من الغلاء، ومن حقك أن تطالب بالإصلاح، لكن ليس من حق أحد أن يحول خصومته مع نظام إلى خصومة مع وطن.
الغربة قد تكشف العيوب، لكنها تكشف أيضًا النعم، ومن عرف قيمة أمه لن يبدلها مهما رأى من بريق زائف. فالأوطان لا تعوض، ولا تُشترى، ولا تُستورد، ومن يختلف مع وطنه ليصلحه ابن بار، أما من يختلف معه ليكسره فإنه يخسر نفسه قبل أن يخسر بلده.
الوطن ليس فندقًا نغادره إذا ساءت الخدمة، الوطن قدر ومسؤولية وشرف، ومن لا يرى ذلك فلينظر جيدًا إلى وجوه الغرباء حين يحتاج إليهم، ثم ليقارنها بوجه أمه حين يخطئ فتعاتبه لكنها لا تطرده.
هنا فقط نفهم المثل جيدًا، وهنا فقط ندرك أن حب الوطن ليس شعارات تُرفع، بل مواقف تُثبت وقت الشدة.

