أمةٌ تنشغل كل عام بالبحث عن علامات ليلة القدر، تحدّق في السماء، تنتظر سكون الريح أو اعتدال الضوء، وتغفل عن العلامة الأكبر التي بين أيديها: كتابٌ أُنزل ليقيم العدل، ويحرر العقل، ويصون الدم. أيُّ عقلٍ هذا الذي يحوّل الدين إلى طقسٍ موسمي؟ وأيُّ خيبةٍ تلك التي تجعلنا نختلف على ليلة، ولا نجتمع على مبدأ، ونتنازع حول إشارة، ولا نثور من أجل إنسان؟
ليلةُ القدر لم تكن لغزًا فلكيًا، بل حدثًا كونيًا عظيمًا: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾. فالقيمة في ما نزل، لا في متى نزل، والعظمة في الرسالة، لا في العلامة. لكننا قلبنا المعادلة؛ تركنا القرآن الذي قال: ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾، وذهبنا نبحث عن روايات وإشارات لا تبني وطنًا، ولا ترد مظلومًا، ولا توقف نزيفًا.
أمةٌ تحاصر نفسها، وتغلق أبواب الاجتهاد، وتخشى السؤال، وتطارد الفكرة، وتخنق المبادرة. أمةٌ تقاتل نفسها، فيتحول الخلاف إلى اقتتال، ويتحول التنوع إلى انقسام، وتغدو السياسة صراعًا على البقاء، لا ساحة لخدمة الناس. أمةٌ ترهب نفسها، فتخيف عقولها الحرة، وتتهم كل صوت إصلاح بالخروج، وتصنع من الاختلاف عدوًا، ومن الحوار خيانة.
أمةٌ تتآمر على نفسها حين تفتح ثغراتها للمتربصين، وتستقوي بالخارج على الداخل، فتبيع قرارها، وتفرّط في سيادتها، وتدفع الأجيال ثمن لحظة ضعف. أمةٌ تخون نفسها حين يصبح الكرسي أعزّ عند بعض أولي الأمر من أرواح الملايين، فتتحول السلطة إلى غاية، والوطن إلى مزرعة، والشعب إلى رقم في خطاب.
ثم نرفع أكفّ الضراعة، ونسأل: لماذا تأخرنا؟ وكيف سبقنا غيرنا؟ والجواب ليس في حركة السحاب، ولا في شكل الشمس عند الفجر، بل في واقع صنعناه بأيدينا. الكرسي زائل، والدم باقٍ في رقاب من فرّط فيه، والتاريخ لا ينسى، والله يقول: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾.
ليلة القدر ليست موعدًا نترقب فيه علامة، بل دعوة أن نكون على قدر الرسالة، أن نعيد ترتيب أولوياتنا، أن يكون العدل قبل الجدل، والعمل قبل الصخب، والقرآن منهجًا للحياة، لا تعويذة تُعلّق على الجدران. أمةٌ تعود إلى وعيها خيرٌ لها من أمة تحفظ التواريخ وتجهل المقاصد؛ فالقدر الحقيقي ليس ليلة نختلف حولها، بل قرار نتخذه: أن نكون أمة حياة، لا أمة انتظار.

