على مدى ما يقارب عقداً من الزمن يواصل علي محمد الشرفاء الحمادي ومعه قافلة من المؤمنين برسالة الإصلاح جهداً فكرياً وإنسانياً واسعاً لإحياء المعنى الحقيقي للدين كما أراده الله لعباده ديناً يقود إلى السلام لا إلى الصراع ويجمع الناس على العدل لا على الفرقة ويعيد الإنسان إلى جوهر الرسالة الإلهية التي جاءت بها جميع الرسالات.
وقد حملت مؤسسة رسالة السلام هذه الرؤية إلى آفاق متعددة من العالم فانتشرت مبادراتها الفكرية والثقافية بين المفكرين والباحثين وأساتذة الجامعات والإعلاميين ورجال الدين وكل من يؤمن بأن البشرية في حاجة ماسة إلى استعادة البوصلة التي ضاعت حين ابتعد الناس عن كتاب الله
لقد كانت الرسالات السماوية جميعها دعوة إلى إقامة المدينة الإنسانية الفاضلة التي تقوم على العدل والرحمة والتعارف بين البشر غير أن أتباع تلك الرسالات عبر التاريخ انحرفوا عن المقصد الإلهي حين فرّقوا الدين وجعلوه مذاهب متناحرة وطوائف متخاصمة حتى ضاعت الرسالة الجامعة التي جاءت لهداية الناس
ومن هنا جاءت دعوة الكاتب علي محمد الشرفاء الحمادي واضحة وحاسمة بأن المرجعية الوحيدة القادرة على إعادة التوازن للأمة هي القرآن الكريم باعتباره النص الإلهي المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
فالعبادات في حقيقتها ليست طقوساً جامدة أو حركات شكلية بل منظومة تربوية تهدف إلى بناء الإنسان الحر المسؤول الذي يزكي نفسه ويقيم العدل في الأرض فالقرآن حين تحدث عن الصلاة والصيام والزكاة والحج لم يردها مظاهر منفصلة عن الحياة بل جعلها وسائل لصناعة الضمير الحي الذي يرفض الظلم ويقاوم الفساد ويقيم القسط بين الناس
إن اختزال العبادات في أشكال ظاهرية دون إدراك مقاصدها الكبرى هو الذي أفقدها قدرتها على تغيير الإنسان والمجتمع ولذلك يؤكد علي محمد الشرفاء الحمادي أن العودة إلى القرآن مرجعاً للعبادات تعني استعادة روحها الأخلاقية والتربوية التي تصنع إنساناً صالحاً ومجتمعاً عادلاً
لكن القرآن ليس كتاب عبادة فحسب بل هو أيضاً الميزان الذي يضبط منظومة الحقوق الإنسانية فالإنسان في القرآن مكرم بحكم خلقه حراً ومسؤولاً ولا يملك أحد أن يصادر إرادته أو يفرض عليه معتقداً أو رأياً لأن الله جعل الحرية أساس التكليف وجعل العدل أساس العمران
ومن هذا الميزان القرآني تنبثق كل الحقوق
حق الإنسان في الكرامة
وحقه في الحرية
وحقه في العدل
وحقه في الأمن والسلام
وحين يغيب هذا الميزان ويستبدل الناس به اجتهادات بشرية متناقضة أو روايات متعارضة يختل ميزان الفهم ويضيع معيار الحق والباطل وتتحول المجتمعات إلى ساحات صراع مذهبي وفكري وسياسي كما نشهده في واقعنا المعاصر
ومن هنا يأتي الدور الحضاري الذي تضطلع به مؤسسة رسالة السلام إذ تسعى من خلال ندواتها ومؤتمراتها وإصداراتها الفكرية إلى إعادة فتح باب التدبر في القرآن وإحياء الوعي بأن الدين في جوهره رسالة سلام عالمي لا مشروع صراع بين البشر
فالمؤسسة لا تقدم خطاباً دعوياً تقليدياً بل تعمل على بناء رؤية فكرية جديدة تعيد قراءة التراث في ضوء القرآن وتحرر العقل المسلم من أسر الجمود وتعيد للإنسان المسلم ثقته بأن دينه في جوهره دين رحمة وعدل وسلام
وفي قلب هذه الجهود يقف علي محمد الشرفاء الحمادي باعتباره أحد الأصوات الفكرية التي كرست قلمها ومشروعها الفكري للدعوة إلى العودة الصادقة إلى كتاب الله باعتباره المرجعية العليا للفكر الديني والحضاري
لقد أدرك أن إصلاح الواقع لا يبدأ من السياسة ولا من الصراع على السلطة بل يبدأ من إصلاح الوعي وإعادة بناء الفهم الصحيح للدين لأن الفكر إذا استقام استقام معه السلوك واستقام معه المجتمع
إن الدعوة إلى القرآن اليوم ليست مجرد شعار يرفع بل هي مشروع حضاري متكامل يهدف إلى تحرير الإنسان من التعصب ومن الصراع المذهبي وإعادة بناء العلاقات الإنسانية على أساس العدل والرحمة والتعارف بين الشعوب
فالقرآن حين يكون مرجع العبادات تتحرر العبادة من الجمود إلى الحياة
وحين يكون ميزان الحقوق يتحرر الإنسان من الظلم إلى العدل
وحين يعود الناس إلى هدايته تعود المجتمعات إلى طريق السلام الذي أراده الله للبشرية كلها
وهذه هي الرسالة التي تحملها مؤسسة رسالة السلام ويجاهد من أجلها الكاتب علي محمد الشرفاء الحمادي أملاً في أن تستعيد الأمة وعيها وأن يستعيد العالم طريقه إلى السلام الحقيقي الذي يبدأ من كلمة الله وينتهي إلى كرامة الإنسان.
مجدى طنطاوى يكتب من فوضى الصراع إلى طريق السلام دعوة فكرية يقودها علي محمد الشرفاء الحمادي

