بعيدًا عن تلك الدعوات العائلية، فإننى نادرًا ما أُلبى دعوات السحور أو الإفطار التى أتلقاها بمحبة شديدة من الداعين، وبخجل كبير منى مقترنًا بسيل من الاعتذارات بسبب عدم قدرتى على تلبيتها جميعًا.
أما قرارى بقبول الدعوة دون أى مناقشة أو تفكير، فيكون لتلك الدعوات التى يتم على هامشها تنظيم فعاليات ثقافية أو حوارات فكرية، بحضور عدد من رموز الوطن ومبدعيه.
من بين تلك اللقاءات الرمضانية التى صرت حريصًا على حضورها بانتظام، لا سيما هذا العام، كانت دعوة تلقيتها من الباحث محمد فتحى الشريف، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات.
ورغم ارتباطى بموعد إفطار عائلى فى ذات اليوم، فإننى حرصت على حضور تلك الحلقة النقاشية التى يتم تنظيمها على جلستين، قبل وبعد حفل الإفطار، وغادرت قبل أذان المغرب بنحو نصف الساعة.
عوضنى عن التعب الشديد حينها، ما حضرته من نقاشات مطمئنة تناولتها الجلسة الأولى من تلك الندوة التى سبقت تناول الإفطار.
مصدر ذلك الشعور الداخلى بالاطمئنان هو ما أكدته كلمات المتحدثين الذين مثلوا عددًا من الدول العربية، بلغوا نحو ١٦ متحدثًا على مدار الجلستين، فمن فلسطين كان هناك د. أيمن الرقب الأستاذ بجامعة القدس، والكاتبة سماح محمد، ومن سوريا تحدثت د. ليلى موسى ممثلة سوريا الديمقراطية فى القاهرة، والكاتب أحمد شيخوا، ومن تونس تحدث جابر الحوات، رئيس مجلس الأعمال المصرى التونسى، ومن الأردن شاركت الإعلامية دانا الشلول، ومن المغرب الكاتب أحمد محمود، ومن العراق على حافظ، فضلًا عن أكاديميين وصحفيين وخبراء عسكريين ومفكرين كبار من مصر.
وأكدت لى تلك الكلمات أننا لا نزال أمة واحدة لها هدف واحد ويجمعها مصير مشترك، الأمر الذى صادف هوى عندى، واتسق مع قناعاتى وعقيدتى السياسية التى أؤمن بها.
أثبتت تلك الكلمات التى تابعتها باهتمام شديد وسعادة بالغة أننى لا أسير وحيدًا، بل إننا كثرة، غير أن توالى الانتكاسات وتكرار الأزمات هى الدافع لخفوت الصوت العروبى عبر المنتديات الثقافية واللقاءات الفكرية والمنابر الإعلامية.
ويبقى وجود مؤسسات فكرية وهيئات بحثية كمركز العرب للدراسات والأبحاث أمرًا مطمئنًا لأمثالى، خاصة أن تلك المؤسسة تضم فى هيئة مؤسسيها قامات عربية عروبية محترمة، أضف إلى ما سبق أن مبرمجى أنشطة المركز وفعالياته، وخاصة محمد فتحى الشريف، يتبنون فكر مفكر عربى من طراز فريد، هو الشرفاء الحمادى، ذلك المفكر الحقيقى، إماراتى الجنسية، مصرى الهوى، عروبى الهوية.
لا أخفى على حضراتكم ما لاحظته فى كلمات المتحدثين فى الندوة الذين غلبت على كلماتهم رجفة فى الصوت وتضارب فى المشاعر، وقلق عكسته المفردات التى تحدثوا بها، وتلك مشاعر إنسانية أتفهمها بشدة خاصة فى ظل تلك الحرب الضروس التى تدور رحاها على أعتاب وطننا العربى المأزوم، بل إن شظاياها طالت بعض المناطق فى البيت العربى.
أتمنى أن تكون مثل تلك الفعاليات أكثر عددًا وأعلى صوتًا، فتجد الأفكار التى تتم مناقشتها فى إطارها منصات أوسع انتشارًا وحضورًا أكثر كثافة ودورية انعقاد أكثر تقاربًا زمنيًا، وأن يتم استخدام منصات أوسع انتشارًا سواء عبر وسائل الإعلام التقليدية أو وسائل التواصل الحديثة، ليبلغ الصوت العروبى أقصى مداه، ويعزز المرجفون مواقفهم، وليخفت فى المقابل صوت الانهزاميين الانفصاليين المنادين بالانعزالية، والتقوقع على الذات.

