في ازمنة الاضطراب الكبرى حين تتصاعد النيران في اكثر من اتجاه وتتشابك المصالح والصراعات لا تكون الحكمة دائما في الاندفاع لاطفاء كل حريق يشتعل احيانا يكون التروي والابتعاد المؤقت عن قلب المعركة هو القرار الاكثر حكمة ومسؤولية وفي ظل ما تشهده المنطقة اليوم من اشتعال متزايد في بؤر الصراع قد يكون من الضروري ان تعيد مصر حساباتها بدقة وان تختار متى تتدخل ومتى تنشغل ببناء قوتها الداخلية
مصر ليست دولة عابرة في الاقليم بل هي دولة مركزية في العالم العربي وكل خطوة تخطوها لها تأثير واسع لذلك فان اندفاعها في كل ازمة او تورطها في كل صراع قد يستهلك طاقتها ويبدد قدراتها في معارك لا تخدم بالضرورة مصالحها الاستراتيجية فالدول الكبرى لا تتحرك بردود الافعال بل وفق حسابات دقيقة توازن بين المسؤولية الاقليمية ومصالحها الوطنية
المنطقة العربية اليوم تشهد حالة من السيولة السياسية غير المسبوقة صراعات مفتوحة تنافس دولي محتدم وتحالفات تتغير بسرعة وفي مثل هذا المشهد المضطرب فان الانخراط غير المحسوب قد يحول الدولة من طرف قادر على التأثير الى طرف مستنزف في صراعات طويلة ومعقدة
من هنا قد يكون من الحكمة ان تنشغل مصر في هذه المرحلة بتعزيز جبهتها الداخلية وتقوية اقتصادها وبناء قدراتها العلمية والصناعية والعسكرية لان الدول التي تبني قوتها في اوقات الفوضى هي التي تمتلك زمام المبادرة عندما تهدأ العواصف
الانشغال بالبناء الداخلي لا يعني الانسحاب من الدور الاقليمي او التخلي عن المسؤولية التاريخية بل يعني ادارة هذا الدور بذكاء فالدولة القوية هي التي تعرف متى تتقدم ومتى تتريث ومتى تتدخل ومتى تكتفي بالمراقبة الاستراتيجية حتى تتضح ملامح المشهد
لقد دفعت المنطقة العربية في العقود الماضية ثمنا باهظا نتيجة التسرع في الانخراط في صراعات معقدة بينما كانت بعض القوى الدولية تكتفي بادارة المشهد من بعيد ولذلك فان التعلم من دروس التاريخ ضرورة حتى لا تتكرر الاخطاء نفسها
ان مصر بحكم موقعها وتاريخها وثقلها الحضاري تظل ركيزة اساسية للاستقرار في المنطقة لكن الحفاظ على هذا الدور يتطلب احيانا قدرا من الصبر الاستراتيجي والقدرة على قراءة المشهد بعمق بعيد عن ضغوط اللحظة
فحين تشتعل النيران في كل الاتجاهات قد لا يكون المطلوب دائما هو الاسراع الى قلب الحريق بل احيانا يكون المطلوب هو حماية البيت اولا وتقوية الجدران والاستعداد للحظة التي يمكن فيها اطفاء النار بحكمة وقوة دون ان يمتد لهيبها الى الداخل
ان الدول العاقلة لا تنجرف مع كل عاصفة بل تنتظر اللحظة المناسبة لتتحرك بثقة وربما تكون هذه هي اللحظة التي تحتاج فيها مصر الى التركيز على البناء وتعزيز قوتها الشاملة حتى تظل قادرة على اداء دورها عندما يحتاجها التاريخ من جديد
مجدى طنطاوى يكتب حين تشتعل الحرائق قد يكون الابتعاد حكمة

