لا تفهم الضرائب باعتبارها عبئا منفصلا عن المجتمع، بل تعد وسيلة فعالة لتنظيم الشأن العام وضمان استدامة الخدمات التي يحتاجها المواطنون.
تعد الضرائب إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة في تمويل وظائفها وتنظيم شؤونها الاقتصادية والاجتماعية، حيث تحتاج إلى موارد مالية مستقرة تمكنها من الاضطلاع بمسؤولياتها في توفير الخدمات العامة من تعليم وصحة وضمان أمن وتمكين للقضاء ونشر للعدالة، بالإضافة إلى إنشاء وصيانة البنية التحتية من طرق وموانئ وشبكات كهرباء ومياه. كما تؤدي الضرائب دورا محوريا في توجيه النشاط الاقتصادي، إذ يمكن توظيفها لتشجيع قطاعات معينة أو الحد من أنشطة أخرى، فضلا عن إسهامها في تحقيق نوع من التوازن الاجتماعي عبر إعادة توزيع جزء من الثروات داخل المجتمع.
وفي إطار التأصيل الفقهي لهذه المسألة في المجتمعات الإسلامية، كان جرى تناول قضية الموارد العامة انطلاقا من مبدأ تحقيق المصلحة العامة وحفظ مقاصد الجماعة. وقد عرفت التجارب التاريخية الإسلامية موارد مالية محددة لتغطية حاجات المجتمع، إلا أن الفقه لم يقصر الأمر على تلك الموارد فحسب، بل ناقش إمكانية فرض التزامات مالية إضافية عند اقتضاء الحاجة العامة لذلك، وعدم كفاية الموارد القائمة للوفاء بمتطلبات الناس. وقد قام ذاك التصور على ربط هذه الالتزامات المالية بالشرطين الجوهريين الذين هما:
ـ العدالة في فرضها بحيث لا تشكل عبئا على الفئات الضعيفة،
ـ الوضوح في الغاية منها بحيث تصرف حصرا في المصالح العامة الضرورية.
وبهذا المعنى، لا تفهم الضرائب باعتبارها عبئا منفصلا عن المجتمع، بل تعد وسيلة فعالة لتنظيم الشأن العام وضمان استدامة الخدمات التي يحتاجها المواطنون.
أما على الصعيد المحلي في موريتانيا، فيعتمد تمويل الميزانية العامة للدولة على مزيج من الإيرادات الضريبية والموارد الطبيعية، ولا سيما في قطاعات الحديد والذهب والصيد البحري. وتبرز الشركة الوطنية للصناعة والمناجم باعتبارها أحد الركائز الرئيسية للاقتصاد الوطني، من خلال أنشطتها في استخراج وتصدير الحديد.
غير أن النقاش المجتمعي حول الضرائب في موريتانيا يكشف عن ازدواجية ملحوظة في الموقف منها. فبينما لا يسود رفض فعلي لمبدأ الضرائب في حد ذاتها، إذ يسلم بها كضرورة لتسيير الدولة العصرية وتمويل خدماتها، يبرز نقد واضح عندما لا ينعكس تحصيلها بصورة ملموسة على تطوير البنية التحتية، أو تحسين الخدمات العامة، أو تعزيز الشفافية في إدارة المال العام. ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يتمثل في رفض أداء الضرائب ولا في تبرير أي خلل في تحصيلها، بل يتجلى في مدى قدرة المؤسسات على توجيه هذه الموارد توجيها فاعلا يلبي متطلبات الدولة العصرية القائمة على حسن التدبير والوضوح والمساءلة في إدارة المال العام.
من هذا المنظور، تتحول الضرائب إلى جزء من عقد عملي قائم على المسؤولية المتبادلة بين المجتمع ومؤسساته حيث يكون في مقابل مساهمة المواطن في تمويل الشأن العام من خلال الضرائب، تلتزم الدولة بإدارة رشيدة وشفافة لهذه الموارد، وتوجيهها نحو تحقيق التنمية وتحسين ظروف الحياة العامة.
وعندما يتحقق هذا التوازن، تكتسب الضرائب معناها الحقيقي كأداة لخدمة الصالح العام، لا مجرد التزام مالي تفرضه الدولة على الأفراد.
الضرائب من العبء المالي إلى العقد الاجتماعي/ الولي سيدي هيبه

