مجدى طنطاوى يكتب لا تخافوا على مصر فإن شعبها في رباط....

مجدى طنطاوى يكتب لا تخافوا على مصر فإن شعبها في رباط....

هكذا شهد سيدنا محمد بن عبد الله لبلدٍ يعرفه الله قبل أن يعرفه الناس

نعم نغضب
وأغضب معكم
مما نراه يوميا من مشاهد شغب تتصدر الصفحات
وتحاول أن ترسم صورة قاسية لوطنٍ أعمق بكثير من تلك اللقطات العابرة
لكنني لا أتحدث هنا عن تحليل ولا عن رأي
بل عن شهادة رأيتها بعيني

كنت في زيارة إلى منزل أمي
في عمارة تكاد تكون مدينة صغيرة
مطاعم ومحلات وبنوك وعيادات تمتد حتى الطابق الخامس
ضجيج وحركة وحياة لا تهدأ
مكان قد يظنه البعض بلا روح

وأثناء صعودي
شق الصمت صوت أم مفزوعة
تصرخ بكل ما فيها
أين ابني أين ابني

في لحظة
تغير كل شيء

لم تعد العمارة عمارة
تحولت إلى خلية إنسانية نابضة

الشباب يركضون
الشيوخ يسرعون
رواد المطاعم يتركون موائدهم
أصحاب المحلات يخرجون من خلف بضائعهم

فريق يبحث في الكاميرات
وآخر يصعد إلى العيادات
وثالث يجوب الشارع

لم يكن هناك تنظيم
لكن كان هناك قلب واحد

وأشهد الله
أنني رأيت في عيونهم دموعا تكاد تنفجر
وحزنا يخنقهم
وشعورا بالعجز لا يُحتمل

لم يسأل أحد
من هذه الأم
ولا من هذا الطفل مسلما كان ام مسيحيا

كان وكأنه ابنهم جميعا

ثم فجأة
عاد الطفل

يحمله شاب صاحب محل
اشترى له كرة
وضمه إليه وكأنه يعرفه منذ سنوات
وقال ببساطة
وجدته داخل المحل يبكي وهو مريض بالتلعثم

هنا فقط
انفجرت الحياة من جديد

زغاريد تملأ المكان
الكل يهنئ الكل
الابتسامات تعود
والقلوب تهدأ

حتى أحد أصحاب المطاعم
لم يكتفِ بالمشاهدة
بل بدأ يوزع العصائر على الجميع
وكأن الفرحة تخصه وحده
وكأن الطفل ابنه

هذه شهادتي
ليست قصة منقولة
ولا صورة منتقاة
بل لحظة عشتها

تلك هي مصر يا سادة

مصر التي قد تغضب
لكنها لا تفقد قلبها

مصر التي قد يعلو فيها الضجيج
لكن إنسانها يظل أعلى

مصر التي إذا صرخت أم فيها
استجاب وطن

فلا تخافوا على مصر
فإن فيها من الرحمة ما يكفي
ليطفئ كل هذا الصخب