مجدى طنطاوى يكتب.. كلنا فاسدون بدرجات

مجدى طنطاوى يكتب.. كلنا فاسدون بدرجات

اعترف بعد رحلة طويلة في بلاط صاحبة الجلالة لم اكن فيها بطلا متصدرا بقدر ما كنت شاهدا صامتا التقط التفاصيل واحفظ الوجوه واقيس المسافات بين القول والفعل التزمت قديما بقاعدة ليس كل ما يعرف يقال لكن ما لا يقال تراكم حتى صار ثقلا لا يحتمل

الحقيقة التي لا تجمل ولا تزيف اننا جميعا نقع في دائرة الفساد كل بطريقته وكل بقدر ما تسمح له الفرصة والظرف والقدرة
لا احد خارج المشهد تماما ولا احد يملك براءة مطلقة تبدأ الحكاية بخطوة صغيرة مجاملة عابرة سكوت عن خطأ تبرير موقف ثم تكبر الدائرة شيئا فشيئا حتى تتشابك المصالح وتتداخل الرغبات ويتحول الصمت الى شراكة

الفساد ليس فقط حقيبة مال ولا صفقة مشبوهة الفساد قد يكون كلمة في غير موضعها توقيعا بلا ضمير نظرة مريبة رغبة عابرة منصبا يستغل او نفوذا يزين لصاحبه انه فوق الحساب قد يكون سهرة حلوة تفتح ابوابا مغلقة او مجاملة تشتري سكوتا دائما

نحن لا نسقط دفعة واحدة بل ننزلق درجات كل درجة تبدو مبررة حتى نصل الى قاع لا نراه الا بعد فوات الاوان هناك من يقف عند حد وهناك من يستمر حتى اقصى الحدود حتى ما لا ينبغي الاقتراب منه

لذلك لا تعايرني ولا اعايرك فالفساد طايلني وطايلك لكنه لم يتساو بيننا في الدرجة ولا في العمق الفرق الحقيقي ليس في الادعاء بالطهارة بل في القدرة على التوقف والاعتراف والمقاومة

هذه ليست دعوة لليأس بل مواجهة صريحة مع النفس فاما ان نستمر في خداع انفسنا وارتداء اقنعة النزاهة او نبدأ رحلة اصعب نحو تقليل هذا السقوط والاعتراف بان الاصلاح يبدأ من الداخل قبل ان نطلبه من العالم

الصدق مؤلم لكنه الطريق الوحيد للخروج من هذا المستنقع الذي غرقنا فيه جميعا بدرجات مختلفة