يظهر المشهد الموريتاني اليوم مشدودا إلى المفارقة اللافتة المتمثلة في ازدواجية جيلين رفعا في مرحلة الشباب شعارات التغيير الجذري، ثم استقر بهما المقام مع التقدم في السن في مواقع إدارة تعيد إنتاج كثير مما كانا ينتقدانه. إنها نخب الستينيات والسبعينيات في بداية تأسيس الدولة الموريتانية، تلك التي تشكلت على وقع المد الثوري العالمي، وتشربت أفكار العدالة الاجتماعية ومقاومة الأطر الرجعية والزبونية والامتيازات غير المستحقة. غير أن المسار اللاحق لهذين الجيلين كشف عن تحول عميق من موقع الحلم إلى موقع التكيف، ومن خطاب القطيعة إلى ممارسة الاستمرار.
لا يمكن مطلقا إنكار أن بعض أفراد هذا الجيل أسهموا في بناء الدولة الحديثة، وشاركوا في ترسيخ مؤسساتها، ولو بحدود تقاصرت عن الأهداف النهائية السامية. لكن يصعب، في المقابل، تجاهل أن بعضا منهم اندمج في شبكات النفوذ ذاتها التي كانت هدفا لنقده. هكذا برزت مفارقات صارخة من أكثرها إيلاما أن مسؤولين يتحدثون عن تكافؤ الفرص، بينما تدار التوظيفات عبر دوائر القرابة والولاء وخطاب عن الإصلاح، يقابله تساهل مع اختلالات التسيير إن لم تكن المشاركة فيها أحيانا.
غير أن اختزال هذه الظاهرة في "انحراف أخلاقي" فردي يفوت فهم جذورها الأعمق. فالدولة الموريتانية نشأت في سياق اجتماعي واقتصادي معقد على خلفية بنية قبلية متماسكة واقتصاد محدود الموارد ومؤسسات لم تترسخ فيها بعد ثقافة المساءلة. في مثل هذا السياق، يصعب الفاعل السياسي أو الإداري أن يتحرك في فراغ، بل يفعل داخل شبكة ضغوط وتوازنات تدفعه، أحيانا، إلى التكيف بدل المواجهة. وهنا يظهر التناقض جليا حيث من يريد تغيير المنظومة يجد نفسه، تدريجيا، جزء منها.
المشكلة إذن ليست فقط في جيلٍ بعينه، بل في آلية إعادة إنتاج النخبة نفسها. فضعف الشفافية، وغياب معايير صارمة للتوظيف والترقي، واستمرار تأثير الروابط التقليدية، كلها عوامل متمردة على صرامة الدولة تجعل تداول النخب الصالحة محدودا، وتبقي الكفاءة رهينة للوساطة. لذلك يبدو "غياب" تأثير الأحياء من ذلك الجيل أقل أهمية من السؤال الأوسع الذي هو لماذا لا تظهر بدائل قادرة على كسر هذا النمط؟
والحقيقة أن نقد هذه النخب يظل ضروريا، ليس بوصفه تصفية حساب مع الماضي، بل باعتباره مدخلا أساسيا لفهم الحاضر. لكن الأهم هو الانتقال من التشخيص إلى الفعل لبناء مؤسسات تخضع الجميع للمساءلة، إرساء قواعد شفافة للتوظيف، وفتح المجال أمام نخب جديدة لا تعرف نفسها عبر الانتماء، بل عبر الكفاءة ليتحول التناقض من قدر معاد إنتاجه إلى لحظة وعي تدفع نحو تجاوز حقيقي.

