حين يظهر المنصب معادن الرجال / الولي سيدي هيبه

حين يظهر المنصب معادن الرجال / الولي سيدي هيبه

"أرفع الناس من تواضع عن رفعة، وأكرمهم من وفى لمن لا ينفعه"
 

...وهل المنصب في جوهره إلا محكة تمتحن بها الجواهر، ومرآة تنكشف عليها الضمائر...
في بلاد طالما تغنت بالشعر، وأتقنت صياغة الأمثال حتى صارت حكما متداولة، يبقى أعجب ما يرى أن المناصب تبدل الوجوه، ولا تبدل الطباع، إلا عند من كانت طباعهم قابلة للتحول. فكم من وجه شكله المقام على غير صورته، وكم من نفس رسخها الخلق فلم تهزها الألقاب، ولم تستدرجها الكراسي.
ولعل أبلغ ما يحزن، أن ترى بعض ذوي الأحساب "المقدرة" يسخفون بما تقتضيه تلك الأحساب من كرم الشيم وعلو الهمم، فإذا ارتقوا في السلم الوظيفي، تراجعوا في ميزان الوفاء، حتى ليخال الرائي أن المنصب ملكهم ذاكرة قبل أن يمنحهم سلطانا.
وليس النكران أن ينسى المرء يدا مدت له بالعون، أو صدرا وسعه بالود والتقدير، أولسانا دعا له بظهر الغيب، وإنما النكران البين أن يبتعد من ماضيه، ويبعد أهله وأصدقاءه ومن أحبه بصدق، ويبدل لغة المودة بمنطق الجفاء، بعدما أوهمه المقام أن سمو المكان يقتضي تراجع الخلق.
وما المنصب في جوهره إلا محكة تمتحن بها الجواهر، ومرآة تنكشف عليها الضمائر. فالشريف لا تزيده الرتبة إلا تواضعا، ولا تمنحه السلطة إلا حلما، لعلمه أن قيمة المرء بما يحمل من مروءة، لا بما يحمل من وسام، وأما سواه، فيظن أن أولى واجبات المنصب التبرؤ ممن عرفوه قبل أن يعرف، والإعراض عمن نصروه قبل أن يذكر، فيخسر من جميل الذكر بقدر ما يربح من زائل المقام.
وهكذا يظل الوفاء إكليلا لا تصنعه المناصب، والمروءة منزلة لا تمنحها المراسيم، لأن الأخلاق وحدها هي التي تبقى قائمة حين يسقط كل ما عداها.
فالتواضع والوفاء توأمان لا يفترقان، هما ميزان الرجال، وباب القلوب.
فالتواضع ليس انحناء للغير، بل ارتفاعا في النفس، يجعلك ترى الناس بعين العدل، لا بعين المنصب.
والوفاء ليس جمودا على الماضي، بل امتدادا له، يجعلك تحمل معك من عرفوك، ولو تغيرت بك الدروب.
ومتى اجتمعا في امرئ، استحال المنصب في يده عطاء، والسلطان في قلبه رحمة، والذكر بعده دعاء.
ومتى افترقا، صار المنصب نقمة، والجاه وبالا، والعزة ذلا في ثياب العز.
فطوبى لمن إذا ارتفع تذكر، وإذا قوي تواضع، وإذا قدر وفى.
فأولئك الذين لا تزيغ بهم المناصب، ولا تغرهم الألقاب، لأنهم يعلمون أن "أرفع الناس من تواضع عن رفعة، وأكرمهم من وفى لمن لا ينفعه".