“أخيرًا… واجهتُ أفلاطون" "موعدٌ تأخر ألفين وأربعمائة عام.”

“أخيرًا… واجهتُ أفلاطون" "موعدٌ تأخر ألفين وأربعمائة عام.”

بقلم - مرة رضا

لم أكن أبحث عنه…لكنني كنت أبحث عن إجابة.

كلما مررتُ بتجربة جديدة، وكلما تأملت البشر أكثر، كان اسمه يعود إلى ذهني.

أفلاطون…
الرجل الذي أقنع العالم بأن هناك مدينةً فاضلة يمكن أن تولد إذا صلح الإنسان.

وكنت، في كل مرة، أهمس في داخلي:
“لو التقيتك يومًا… لسألتك سؤالًا واحدًا.”

ومضت الأعوام…
حتى خُيِّل إليّ ذات مساء أنني أمشي في ممرٍ طويل لا يشبه الأرض ولا السماء.

لا جدران فيه…ولا أبواب…ولا زمن.

وفي آخر الممر، كان شيخٌ يلبس ثوبًا أبيض…يتأمل كتابًا مفتوحًا.

لم أحتج إلى أن يسألني أحد عن اسمه.

عرفته قبل أن يرفع رأسه.

كان أفلاطون.

اقتربت.
ابتسم ابتسامة من يعرف القادم إليه قبل أن يصل.

وقال بهدوء: تأخرتِ كثيرًا…

قلت: بل أنت الذي سبقتنا بأكثر من ألفي عام.

أغلق كتابه، وقال:

وماذا جئتِ تحملين؟

قلت: اعتراضًا.

رفع حاجبيه مبتسمًا، وقال:

اعتراضًا على ماذا؟

قلت وأنا أنظر في عينيه:

على المدينة الفاضلة.

ساد صمتٌ قصير…

ثم قال: هذا اعتراضٌ كبير.

قلت: بل هو سؤالٌ أكبر.

ماذا كنت تريد من إقناعنا بوجود المدينة الفاضلة؟

ولماذا جعلتنا نؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يبلغ هذا الصفاء؟

لقد عشت بين الناس…ورأيت من طبائعهم ما يجعل مدينتك تبدو كقصيدة جميلة… لا كحقيقة.

ابتسم….ولم يغضب.

بل قال: وهل خرجتِ من الناس كارهةً لهم؟

قلت بسرعة: لا…

وهنا تكمن حيرتي….ما زلت أحب الناس.

وأؤمن أن الخير لا يفقد قيمته إذا لم يعرفه الجميع.

وأمد يدي حيث أستطيع.

لكنني اكتشفت أن القلوب ليست سواء.

وهذا ما لم تخبرنا به مدينتك.

أطرق أفلاطون قليلًا…

ثم قال: بل أخبرتكم…

لكنكم أحببتم الحلم أكثر من التفاصيل.

قلت: إذن أخبرني الآن…لماذا ينسى بعض الناس الجميل كأنه لم يكن؟

ولماذا يتحول المعروف عند بعضهم إلى حق مكتسب..لا إلى نعمة؟

ولماذا يسيء بعضهم فهم اليد التي تمتد إليه..فيظنها مدينة له بشيء؟

تنهد أفلاطون وقال: لأن الإنسان لا يرى الأشياء بعينيك…

بل بما في داخله.

فمن امتلأ قلبه امتنانًا…رأى المعروف كنزًا.

ومن امتلأ استحقاقًا، رآه دينًا يجب أن يُقضى له.

قلت: إذن الإحسان لا يصنع النفوس؟

قال: لا…الإحسان يكشف النفوس.

إنه يشبه الضوء.

لا يغيّر شكل الأشياء…بل يجعلها مرئية.

فالذهب يلمع أكثر…والصدأ يظهر أكثر.

قلت: إذن كنت مخطئًا حين ظننت أن المدينة الفاضلة ستغيّر البشر؟

ابتسم لأول مرة ابتسامة طويلة، وقال: لا…لكن ربما كنت متفائلًا أكثر مما ينبغي.

فالمدينة لا تصنع الإنسان…الإنسان هو الذي يصنع المدينة.

وأنا كنت أبحث عن الإنسان قبل أن أبحث عن المدينة.

قلت: وهل وجدته؟

نظر بعيدًا…

وقال: وجدته أحيانًا…

في أمٍ لا تنتظر المقابل.

وفي معلمٍ يعطي علمه لمن ينساه بعد سنوات.

وفي طبيبٍ ينسى اسمه مرضاه ويبقى أثره.

وفي إنسانٍ يعرف أن الخير قيمة، لا صفقة.

ابتسمت وقلت: إذن المدينة الفاضلة ليست مكانًا؟

قال: كلا…لقد أخطأ كثيرون حين رسموا لها أسوارًا.

كنت أريدها أن تكون حالةً من الوعي…لا بقعةً على الخريطة.

وقبل أن نفترق، قلت له:

لقد جئت أحاسبك…لكنني أظنني خرجت أحاسب نفسي.

فقال وهو يعيد فتح كتابه:

لا تحاسبي نفسك لأن قلبك اختار الخير…

حاسبيه فقط إذا سمحتِ لقسوة الآخرين أن تنتزع منه هذا الخير.

عندها فقط…لن تكون المدينة الفاضلة قد سقطت…

بل سيكون الإنسان هو الذي غادرها.

غادرتُ أفلاطون… ولم أعد أسأل أين المدينة الفاضلة، بل صرتُ أسأل: كم مدينة يهدمها إنسان واحد…..وكم إنسانًا يبني مدينة بقلبه؟

انتهى …نقطة ومن أول السطر .