الدكتور عبد الراضي رضوان يكتب ..

الدكتور عبد الراضي رضوان يكتب ..

ليست وحدها أيديولوجيات الطابور الخامس من مخانيث التيارات الحداثية والعلمانية اللادينية واللاأخلاقية هي التهديد المباشر للهُوية الحضارية بل يسبقها محاولاتهم إسقاط اللغة العربية عن عرش جواهر الهوية.

خارطتي لحل أزمة تراجع مستوى اللغة العربية حاضنة الهوية في مجتمعنا المعاصر. 
اليوم الاثنين بالمصري اليوم:

أوضح الدكتور عبدالراضى  رضوان، أستاذ الفلسفة الإسلامية وعميد كلية دار العلوم الأسبق بجامعة القاهرة، أن تراجع مستوى الطلاب فى اللغة العربية وانتشار الأخطاء الإملائية يمثلان قضية تتجاوز مجرد الكتابة أو أسلوب التعبير، لتصل إلى جوهر الهوية المصرية والعربية، محذرًا من أن ضعف التمكن من اللغة العربية يهدد قدرة الأجيال الجديدة على فهم تراثها الحضارى والدينى والثقافى والبناء عليه فى مسيرة الإبداع والتطوير.

وقال «رضوان»، فى تصريح صحفى، إن اللغة العربية تعد أحد أهم مكونات الهوية إلى جانب الدين والتراث الحضارى، مستشهدًا بمقولة الفيلسوف الألمانى مارتن هايدجر: «لغتى هويتى»، موضحًا أن الوعى الإنسانى يتشكل من خلال اللغة، فمن خلالها نقرأ ونفهم ونتأمل ونتدبر، وبالتالى فإن ضعف القدرة على استخدام اللغة ينعكس على قدرة الإنسان على استيعاب تراثه الحضارى وإنتاج معرفة وإبداع جديد.

وأضاف أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الطالب الذى يخطئ فى الكتابة، وإنما تمتد إلى مختلف المهن والتخصصات، متسائلًا: كيف يمكن لطبيب أو مهندس أو محامٍ أو قاضٍ لا يستطيع كتابة مذكرة أو وثيقة أو وصفة طبية بصورة سليمة باللغة العربية أن يتعامل بكفاءة مع إرثه الثقافى والحضارى والنصوص التى أسهمت فى تشكيل وعيه؟

وأشار عميد كلية دار العلوم الأسبق إلى أن ضعف اللغة العربية يؤثر كذلك فى علاقة الأجيال الجديدة بتراثها الدينى، موضحًا أن فهم النصوص الدينية يرتبط بصورة وثيقة بالتمكن من اللغة العربية، وبالتالى فإن ضعف اللغة يؤدى إلى صعوبة فهم جانب مهم من التراث الذى يشكل وعى المجتمع.

وعن أسباب تراجع مستوى اللغة العربية، أوضح أن نظام التعليم الذى يعتمد بصورة واسعة على اللغات الأجنبية يمثل أحد العوامل المؤثرة فى قدرة الطلاب على إتقان لغتهم الأم، لافتًا إلى أن الطالب أصبح يتلقى معظم العلوم بلغة أجنبية، فى الوقت الذى لا يحصل فيه على القدر الكافى من التدريب على أصول اللغة العربية وقواعدها وأساليب التعبير بها.

وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعى زادت من تعقيد المشكلة، بعدما أصبح الطلاب يتعاملون مع أنماط لغوية متعددة، من بينها العامية و«الفرانكو» وغيرها من الصيغ المستحدثة التى لا تستند إلى قواعد اللغة العربية، فأصبح الطالب، بحسب تعبيره، بين تأثير التعليم الأجنبى من ناحية، واللغة العامية والمستحدثة من ناحية أخرى.

وأكد رضوان أن الاعتقاد بأن اللغة العربية «صعبة» يمثل أحد أكبر العوائق أمام تعلمها، مشددًا على أن صعوبة اللغة ليست حقيقة، وإنما نتيجة لطريقة تقديمها وتعليمها. واستدل على ذلك بأن كبار العلماء والأطباء والفلاسفة والمهندسين فى الحضارة الإسلامية تمكنوا من التأليف والإبداع باللغة العربية، ومن بينهم ابن سينا فى الطب، وابن رشد فى الفلسفة والمنطق، وابن الهيثم فى العلوم.

وتابع أن الحضارة العربية أنتجت مؤلفات علمية وفلسفية وطبية ظلت مؤثرة فى العالم لقرون، وهو ما يؤكد أن اللغة العربية ليست عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثة، وإنما تحتاج إلى اهتمام حقيقى وإعادة الاعتبار إلى مكانتها فى منظومة التعليم والمجتمع.

وانتقد عميد دار العلوم الأسبق بجامعة القاهرة عدم وجود اشتراطات مماثلة لإجادة اللغة العربية فى بعض مسارات الدراسة والتوظيف، مقارنة بالاشتراطات المفروضة لإثبات إجادة اللغات الأجنبية، متسائلًا عن سبب عدم وجود مستوى محدد فى اللغة العربية يُطلب من خريجى الكليات المختلفة اجتيازه، خاصة فى التخصصات التى تعتمد على التواصل والكتابة وإعداد الوثائق.

وشدد على أن مواجهة الأزمة يجب أن تبدأ من مرحلة التعليم الابتدائى، من خلال الاهتمام بتدريس اللغة العربية، ورفع كفاءة معلميها، وإعادة الاعتبار إلى صورتهم ومكانتهم المجتمعية، فضلًا عن تطوير المناهج بحيث تقدم اللغة للطلاب باعتبارها مهارة وإبداعًا وأداة للتفكير والتعبير، وليس مجرد مجموعة من القواعد الجافة التى يتم حفظها دون فهم.

وأشار إلى ضرورة تغيير الصورة النمطية التى رسختها بعض الأعمال الفنية والإعلامية عن مدرس اللغة العربية، مؤكدًا أن المعلم يجب أن يحظى بمكانة تليق بدوره فى بناء شخصية الطالب وتعليمه اللغة والقيم والقدرة على التعبير.

وفيما يتعلق بتراجع مستويات بعض طلاب الكليات الطبية، وارتفاع نسب النجاح فى الثانوية العامة، رأى رضوان أن جزءًا من المشكلة يرتبط بظاهرة الغش فى امتحانات الثانوية العامة، موضحًا أن حصول بعض الطلاب على مجاميع مرتفعة بوسائل غير مشروعة لا يعكس بالضرورة امتلاكهم القدرات العلمية واللغوية اللازمة لمواصلة الدراسة فى تخصصات مثل الطب وطب الأسنان والصيدلة.

وأكد أن الطالب الذى ينتقل إلى التعليم الجامعى بمستوى لا يتناسب مع متطلبات الدراسة الجامعية المتخصصة، يواجه صعوبة فى التعامل مع الكم الكبير من العلوم والمصطلحات والمراجع، خاصة إذا كان يعانى فى الأساس ضعفًا فى اللغة والقدرات التحليلية والإبداعية.

واختتم بالتأكيد على أن أزمة اللغة العربية تحتاج إلى معالجة شاملة تبدأ من المدرسة ولا تنتهى بالجامعة، وتشمل المناهج والمعلم وطرق التدريس والإعلام، مع إعادة النظر فى مكانة اللغة العربية داخل منظومة التعليم، باعتبارها أداة للمعرفة والتفكير وجزءًا أصيلًا من الهوية، وليست مجرد مادة دراسية أو وسيلة للكتابة.