متابعة - عبد العزيز اغراز
شهدت فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين من مؤتمر السيرة النبوية، المنعقدة بالعاصمة الموريتانية نواكشوط، مشاركة شيشانية أكدت أهمية استلهام الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات بين الشعوب والمجتمعات الإسلامية، في انسجام مع موضوع المؤتمر الذي يبحث سبل ترسيخ ثقافة التعارف والتعايش والعدل، وجعل السيرة النبوية مرجعًا عمليًا في التعامل مع التعدد الثقافي والإنساني.
وفي هذا السياق، أكد الشيخ آدم شهيدوف مستشار الرئيس الشيشاني أن مؤتمر السيرة النبوية يمثل منبرًا عالميًا للتعريف بالهدي النبوي، مشيدًا بدور موريتانيا في خدمة العلم الشرعي والسيرة النبوية، وبجهود التجمع الثقافي الإسلامي في تنظيم المؤتمر على مدى عقود. كما أبرز المكانة العلمية للمحظرة الشنقيطية وإسهامات علمائها في نشر العلوم الإسلامية واللغة العربية، معتبرًا أن التواصل العلمي بين موريتانيا ومختلف البلدان الإسلامية يشكل جسرًا لتعزيز وحدة الأمة.
وأشار شهيدوف إلى أن اختيار موضوع «الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات» يعكس حاجة ملحة في العالم الإسلامي، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، وبالنموذج النبوي في الجمع بين المهاجرين والأنصار والتآخي بين مختلف الأعراق والثقافات. واعتبر أن محبة النبي ﷺ قادرة على جمع الشعوب على اختلاف ألسنتها وثقافاتها، داعيًا إلى الاجتماع على سنته وهديه، ومؤكدًا أن المؤتمرات العلمية تمثل فضاءات لتجديد صلة الأمة بنبيها، والدفاع عن صورته وسيرته بالعلم والحكمة.
ومن جانبه، أوضح الشيخ أويس أهل الدين الشيشاني، مدرس الفقه و العقيدة بالجامعة الإسلامية المعروفة باسم "الحاج كنت" في غروزني، أن الهدي النبوي يقدم نموذجًا متكاملًا في إدارة التنوع والاختلاف، يقوم على التعارف والتعايش والعدل، مؤكدًا أن اختلاف الألسنة والألوان لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للعداء، بل يمكن أن يكون مدخلًا للتواصل والتعاون. واستشهد بموقف النبي ﷺ حين قام لجنازة يهودي وقال: «أليست نفسًا؟»، وبصحيفة المدينة باعتبارها نموذجًا للتعايش القائم على حفظ الحقوق والوفاء بالعهود وإقامة العلاقات على أساس العدل.
وأكد الشيخ أويس أن التعايش في المنظور النبوي لا يعني ذوبان الهوية الدينية، وإنما يجمع بين الثبات على العقيدة وسعة المعاملة، مشددًا على أن العدل حق للجميع، ولا يسقط بسبب الاختلاف أو الخصومة. كما أشار إلى أهمية البر والصلة بغير المسلمين المسالمين، وتعزيز الأخوة والتعارف داخل الأمة بمختلف أعراقها ومكوناتها.
وتعكس المشاركة الشيشانية في المؤتمر، إلى جانب الحضور العلمي المتعدد الذي يجمع علماء وباحثين من بلدان مختلفة، البعد الدولي للمؤتمر وقدرته على تحويل السيرة النبوية من موضوع للدراسة إلى إطار عملي للحوار والتقارب بين الشعوب. كما تؤكد أن الاجتماع حول محبة النبي ﷺ وسنته وهديه يمكن أن يشكل أرضية مشتركة لتعزيز وحدة الأمة، وترسيخ ثقافة التعارف، والنظر إلى الاختلاف باعتباره تنوعًا من سنن الحياة لا عاملًا للفرقة والصراع.
وتأتي هذه المشاركة ضمن فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين من مؤتمر السيرة النبوية في نواكشوط، الذي ينظمه التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا، تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية محمد ولد الشيخ الغزواني، ويحمل هذا العام عنوان «الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات». ويواصل المؤتمر، الذي استمر تنظيمه على مدى نحو أربعة عقود، ترسيخ مكانة نواكشوط منصةً علمية دولية للبحث في السيرة النبوية وقضايا الأمة، مستفيدًا من الرصيد العلمي للمحظرة الشنقيطية ومن الحضور المتنامي لعلماء وباحثين من موريتانيا ومختلف البلدان الإسلامية.

