ملايين أوروبا وأسرار الثروة وأصداء التعديل الحكومي.. لماذا عادت موريتانيا إلى واجهة الصحافة الغربية؟

ملايين أوروبا وأسرار الثروة وأصداء التعديل الحكومي.. لماذا عادت موريتانيا إلى واجهة الصحافة الغربية؟

 

من 265 مليون يورو لملف الهجرة إلى استنزاف الثروة السمكية ومستقبل الحديد.. ملفات سياسية واقتصادية وأمنية تضع موريتانيا تحت مجهر الإعلام الدولي.

 

بقلم: عالي محمد ولد أبنو

بروكسل بتاريخ: 19 أكتوبر 2026

 

حظيت موريتانيا خلال الأيام الماضية باهتمام عدد من وسائل الإعلام الغربية، التي تناولت تطورات المشهد الحكومي، ومستقبل الثروات المعدنية والسمكية، وسياسات الهجرة، والتعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي، في تغطيات كشفت عن تنامي الأهمية الاقتصادية والأمنية للبلاد في الحسابات الإقليمية والدولية.

ومن وكالة رويترز البريطانية إلى صحيفة لوموند الفرنسية، مرورا بإذاعة فرنسا الدولية ووكالة إيفي الإسبانية ومؤسسة ستيت ووتش البريطانية، تنوعت التغطيات بين الأخبار السياسية والتقارير الاقتصادية والتحقيقات الاستقصائية، مع تركيز لافت على الموارد الطبيعية الموريتانية، وموقع البلاد في مسارات الهجرة نحو أوروبا، والتمويلات الأوروبية الموجهة إلى إدارتها.

رويترز: موريتانيا ضمن منطقة مرشحة لتصبح قوة عالمية في إنتاج الحديد

في تقرير نشرته يوم 16 أكتوبر الجاري، سلطت وكالة رويترز⁠ الضوء على خطط مؤسسة التمويل الإفريقية لتوسيع استثماراتها في قطاع التعدين، ولا سيما خام الحديد واليورانيوم، في ظل تصاعد المنافسة الدولية على المعادن الاستراتيجية.

ونقلت الوكالة عن فرانكلين إيدوتشي، نائب المدير ورئيس قطاع التعدين في المؤسسة، تقديرات تفيد بأن الإنتاج المجمع لخام الحديد في موريتانيا وغينيا وليبيريا وسيراليون قد يبلغ، خلال السنوات العشر المقبلة، مستوى يضاهي إنتاج إحدى أكبر ثلاث دول منتجة للحديد في العالم.

وأوضح المسؤول، على هامش مؤتمر للتعدين في مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، أن المؤسسة تعمل على تمويل مشاريع جديدة في قطاع المعادن، معربا عن أمله في الإعلان عن استثمارات في الحديد واليورانيوم خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة.

وتضع هذه التقديرات موريتانيا ضمن البلدان الإفريقية التي تستقطب اهتمام المؤسسات الاستثمارية الدولية، في وقت تتزايد فيه أهمية المعادن الاستراتيجية في سلاسل الإمداد العالمية.

غير أن التوقعات التي نقلتها رويترز تتعلق بالإنتاج المحتمل للدول الأربع مجتمعة، ولا تعني أن موريتانيا ستصبح بمفردها إحدى أكبر ثلاث دول منتجة للحديد، كما أن الوكالة لم تعلن عن استثمار جديد محدد داخل الأراضي الموريتانية.

لوموند: مصانع مسحوق السمك تستنزف ثروات المحيط وتضر بالمجتمعات الساحلية

وفي العاشر من أكتوبر، نشرت صحيفة لوموند الفرنسية⁠، بالتعاون مع مشروع The Outlaw Ocean Project الاستقصائي، تحقيقا مصورا عن التأثيرات البيئية والاقتصادية لصناعة مسحوق السمك في غرب إفريقيا، شمل موريتانيا والسنغال والصحراء الغربية.

وتناول التحقيق انتشار المصانع التي تحول الأسماك إلى مسحوق وزيوت تستخدم في تغذية الأسماك المستزرعة والماشية، محذرا من مساهمة هذه الصناعة في استنزاف المخزون السمكي وحرمان المجتمعات الساحلية من مورد أساسي للغذاء والدخل.

وركز التقرير على انعكاسات الصيد المفرط في حياة الصيادين التقليديين، ولا سيما في السنغال، حيث ربط بين تراجع الموارد البحرية وتدهور الأوضاع المعيشية وتزايد لجوء بعض الشباب إلى رحلات الهجرة الخطرة عبر المحيط الأطلسي.

ويعيد التحقيق إلى الواجهة الجدل حول الجدوى الاقتصادية لصناعة مسحوق السمك، ومدى انعكاس عائداتها على السكان المحليين، في مقابل ما تثيره من مخاوف بشأن استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى موريتانيا، باعتبارها من البلدان التي تحتضن منشآت لصناعة مسحوق السمك على ساحل الأطلسي، وإن كان التحقيق يتناول الظاهرة في نطاق إقليمي أوسع، ولا ينسب جميع آثارها إلى الحالة الموريتانية وحدها.

ستيت ووتش: وثائق تكشف تفاصيل مشاريع أوروبية بقيمة 265 مليون يورو في موريتانيا

وفي ملف التعاون الأوروبي الموريتاني، نشرت مؤسسة ستيت ووتش البريطانية⁠ يوم السادس من أكتوبر تقريرا يستند إلى وثائق حصلت عليها من المفوضية الأوروبية، تتعلق بتمويل مشاريع في موريتانيا ضمن مبادرة أوروبية تهدف إلى تنسيق سياسات الهجرة والتنمية ومراقبة الحدود.

ووفق التقرير، تبلغ القيمة الإجمالية للمشاريع التي أمكن حصرها 265 مليون يورو على الأقل، بتمويل من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، وتشمل أنشطة تتعلق بمراقبة الحدود وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، إلى جانب مشاريع للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل ودعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة.

وكشفت الوثائق عن مشروع بقيمة 25 مليون يورو لدعم مراقبة الحدود البحرية، وآخر بقيمة 10.39 ملايين يورو لتقديم دعم مالي لقوات الأمن الداخلي الموريتانية المشاركة في مكافحة الهجرة غير النظامية.

كما أورد التقرير مشاريع أخرى، بينها برنامج بقيمة 6.37 ملايين يورو لتعزيز إدارة الحدود البرية والبحرية، وبرامج لدعم حوكمة الهجرة والإدماج الاقتصادي والاجتماعي للاجئين والمجتمعات المضيفة.

وأوضح أن المبلغ الإجمالي المحصي لا يشمل 180 مليون يورو مرتبطة ببرنامج لحماية المهاجرين والعودة وإعادة الإدماج، ولا 44 مليون يورو ضمن مرفق السلام الإفريقي.

لكن المؤسسة نبهت إلى أن المشاريع المحصاة تختلف من حيث مراحل التنفيذ، إذ إن بعضها ما يزال جاريا، وبعضها انتهى حديثا، فيما لم يبدأ تنفيذ مشاريع أخرى. ولذلك لا يصح اعتبار القيمة الإجمالية مبالغ صرفت بالكامل، أو تمويلات مخصصة حصريا للأجهزة الأمنية.

وتبرز هذه الوثائق حجم ارتباط موريتانيا بالسياسة الأوروبية الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، وما يرافق ذلك من تعاون أمني وبرامج تنموية وتمويلات تثير نقاشا بشأن أولويات الإنفاق والرقابة على التنفيذ وحماية حقوق المهاجرين.

إيفي: تراجع الهجرة إلى أوروبا بنسبة 59% يقابله ارتفاع المخاطر

وفي تقرير نشَرَته يوم 13 أكتوبر، نقلت وكالة إيفي الإسبانية⁠ بيانات للمنظمة الدولية للهجرة تفيد بانخفاض أعداد المهاجرين القادمين بحرا إلى أوروبا من مالي والسنغال وغينيا وغامبيا بنسبة 59% خلال النصف الأول من سنة 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وبحسب البيانات، بلغ عدد الوافدين من هذه الدول الأربع 4566 شخصا خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري.

غير أن الوكالة أبرزت مفارقة مهمة؛ إذ إن انخفاض أعداد الواصلين إلى أوروبا لا يعني بالضرورة تراجع مخاطر الهجرة، بل قد يعكس تحول مساراتها نحو طرق أطول وأكثر خطورة.

وأوضحت، استنادا إلى معطيات المنظمة الدولية للهجرة، أن تشديد الرقابة على نقاط الانطلاق التقليدية في موريتانيا والمغرب والسنغال أسهم في انتقال بعض الرحلات نحو سواحل أبعد جنوبا، خصوصا في غامبيا وغينيا وغينيا بيساو.

وقد تصل المسافة التي تقطعها بعض القوارب إلى نحو 2200 كيلومتر، بزيادة تبلغ قرابة 750 كيلومترا مقارنة ببعض المسارات السابقة، ما يطيل مدة البقاء في البحر ويرفع مخاطر الغرق والجفاف والاختفاء.

وفي تقرير منفصل نشرَته يوم السادس من أكتوبر، نقلت إيفي⁠ عن مسؤولين إسبان أن التعاون بين الحرس المدني الإسباني والأجهزة الأمنية في عدد من دول غرب إفريقيا أسهم، منذ بداية السنة، في منع انطلاق نحو 67% من القوارب التي كانت تحاول الإبحار باتجاه جزر الكناري.

وأشارت الوكالة إلى أن هذا التعاون يشمل موريتانيا والمغرب والسنغال وغامبيا وغينيا، مع وجود تنسيق ميداني وتبادل للمعلومات بين الحرس المدني الإسباني والأجهزة الأمنية في البلدان المعنية.

وتكشف هذه المعطيات عن وجهين متلازمين لسياسات مكافحة الهجرة غير النظامية: انخفاض أعداد القوارب التي تتمكن من الانطلاق أو الوصول، مقابل انتقال بعض المهاجرين إلى مسارات بحرية أشد خطورة.

إذاعة فرنسا الدولية: تأخر بطاقات الإقامة يثير شكاوى المهاجرين

وفي 16 أكتوبر، تناولت إذاعة فرنسا الدولية⁠ الصعوبات التي يواجهها بعض الأجانب المقيمين في موريتانيا في الحصول على بطاقات الإقامة، رغم الإجراءات التي تقول السلطات إنها اتخذتها لتنظيم وجود المهاجرين على أراضيها.

ونقلت الإذاعة شهادات لمهاجرين اشتكوا من طول إجراءات معالجة الطلبات، التي قد تتجاوز ثلاثة أو أربعة أشهر، ومن محدودية الأيام المخصصة لإيداع الملفات.

وأورد التقرير شهادة مهاجر مقيم في نواكشوط منذ سنة 2020، تحدث عن الصعوبات التي كان يواجهها في العمل والتنقل قبل حصوله على بطاقة الإقامة، مؤكدا أن البطاقة سهلت حياته اليومية، لكن مدة معالجة الطلبات لا تزال تشكل مشكلة.

كما نقل شهادة مهاجر آخر اشتكى من تخصيص يوم واحد في الأسبوع لإيداع الطلبات، مطالبا بتوسيع أيام الاستقبال لتخفيف الازدحام وتسريع الإجراءات.

وفي المقابل، أوردت الإذاعة بيانات أعلنتها السلطات الموريتانية في 12 أكتوبر الجاري، تفيد بتسوية أوضاع 136 ألف أجنبي ينتمون إلى 85 جنسية منذ سنة 2022.

وتحدثت السلطات عن إجراءات لتيسير التنقل عبر المعابر الرسمية، من بينها فتح 29 نقطة عبور حدودية جديدة، ليرتفع مجموعها إلى 82 نقطة على امتداد البلاد.

ويظهر التقرير تفاوتا بين الجهود التي تعلنها السلطات لتنظيم إقامة الأجانب، والصعوبات الإدارية التي يقول بعض المهاجرين إنهم ما يزالون يواجهونها عند استخراج وثائق الإقامة.
أفريكانيوز: حرائق الكهرباء في خلفية التعديل الحكومي

وفي الشأن السياسي، تناولت شبكة أفريكانيوز⁠، في تغطية أعدتها بالتعاون مع وكالة الصحافة الفرنسية، إعادة تكليف المختار ولد أجاي برئاسة الحكومة، بعد ساعات من تقديم استقالته في العاشر من أكتوبر.

وربطت التغطية التسلسل الزمني للأحداث بتسلم الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تقرير اللجنة المكلفة بالتحقيق في الحرائق التي شهدتها منشآت تابعة للشركة الموريتانية للكهرباء خلال أغسطس الماضي.

وبحسب التقرير الذي أوردت الشبكة خلاصاته، كشفت التحقيقات عن اختلالات خطيرة في الوقاية والحماية الكهربائية والإشراف على الأشغال وإدارة حالات الطوارئ، مع ربط تلك الاختلالات بثلاثة خطوط كهربائية أنشئت حديثا.

ورجحت اللجنة أن يكون ارتفاع درجات الحرارة السبب الأكثر احتمالا للحرائق، دون العثور على أدلة تثبت فرضيتي التخريب أو الخطأ التشغيلي.

وأشارت التغطية إلى أن الحرائق تسببت في انقطاعات واسعة للكهرباء في نواكشوط وضواحيها، امتدت آثارها إلى مدن أخرى.

ورغم تزامن التغيير الحكومي مع تسلم تقرير التحقيق، فإن التغطية المنشورة لم تقدم أدلة مستقلة على وجود صراع سياسي داخلي وراء التعديل، بل ركزت على الوقائع الرسمية وتقرير اللجنة وإعادة تكليف الوزير الأول.

موريتانيا في الإعلام الغربي.. الثروات والهجرة والحكم

تكشف هذه التغطيات عن تعدد زوايا الاهتمام الغربي بموريتانيا، وإن كانت ثلاثة ملفات رئيسية تتكرر في معظم المواد المنشورة.

يتعلق أولها بالموارد الطبيعية، ولا سيما الحديد والثروة السمكية، وما تثيره من فرص استثمارية وتحديات اقتصادية وبيئية.

أما الثاني فيرتبط بالهجرة والتعاون الأمني مع أوروبا، في ظل موقع موريتانيا الجغرافي على الطريق الأطلسي المؤدي إلى جزر الكناري، وما يستتبعه ذلك من اتفاقيات وتمويلات وبرامج لمراقبة الحدود.

ويتمثل الثالث في الشأن السياسي والإداري، حيث تحظى التطورات الحكومية والاختلالات التي تمس الخدمات الأساسية باهتمام وسائل الإعلام الدولية، وإن بدرجات متفاوتة من المتابعة والتحليل.

ولا تعبر هذه التغطيات عن موقف غربي موحد تجاه موريتانيا، بل تعكس اهتمامات تحريرية مختلفة؛ فبينما تنظر رويترز إلى البلاد من زاوية فرص التعدين والاستثمار، تركز لوموند على التداعيات البيئية والاجتماعية للصناعات السمكية، وتتابع إيفي وستيـت ووتش وRFI ملفات الهجرة والتمويلات الأوروبية وأوضاع المهاجرين.

وبين ثروات الحديد التي تستقطب اهتمام المستثمرين، ومصانع مسحوق السمك التي تثير الجدل البيئي، والحدود التي تتدفق إليها التمويلات الأوروبية، تبدو موريتانيا حاضرة في ملفات تتجاوز حدودها الوطنية إلى رهانات اقتصادية وأمنية وإنسانية أوسع.

ويبقى السؤال الذي تثيره هذه التغطيات هو مدى قدرة موريتانيا على تحويل أهمية موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية وشراكاتها الدولية إلى مكاسب تنموية ملموسة، تنعكس على الاقتصاد الوطني والظروف المعيشية للسكان، بدل أن تظل أهميتها مقاسة أساسا بما توفره من موارد وفرص استثمارية وخدمات أمنية للشركاء الخارجيين.