تستعد مدينة وادان التاريخية، جوهرة الصحراء وذاكرة الحضارة في ولاية آدرار، لاستقبال حدث وطني لافت، مع قرب الزيارة الرسمية التي سيؤديها رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، نهاية الأسبوع الجاري، للإشراف على انطلاق فعاليات النسخة الرابعة عشرة من مهرجان مدائن التراث.
زيارةٌ تحمل في طياتها أكثر من بعد، وتتجاوز في دلالاتها مجرد افتتاح تظاهرة ثقافية، لتلامس أسئلة التنمية، والهوية، وأولويات المرحلة.
إشارة انطلاق من قلب التاريخ
ومن المقرر أن يعطي الرئيس غزواني، صباح الجمعة 19 ديسمبر، إشارة الانطلاق الرسمية لهذا الحدث الثقافي، الذي يُعد من أبرز المواعيد السنوية في الأجندة الوطنية، ويهدف – بحسب القائمين عليه – إلى تثمين التراث الحضاري للمدن القديمة، وإعادة الاعتبار لدورها في التاريخ الوطني والإقليمي، فضلا عن تعزيز السياحة الثقافية باعتبارها رافعة اقتصادية واعدة.
وتحظى وادان، المصنفة ضمن المدن التاريخية ذات القيمة العالمية، بمكانة خاصة في هذا السياق، باعتبارها رمزا للتعايش بين العلم والتجارة، وبين الصحراء والحضارة.
بين الاحتفاء والجدل… أسئلة مشروعة
غير أن مهرجان مدائن التراث، ورغم رمزيته الثقافية، لا يخلو من نقاش مجتمعي متجدد، يتصاعد مع كل نسخة جديدة.
ففي مقابل من يرى فيه فرصة لإحياء الذاكرة الوطنية، وتنشيط الحركة الاقتصادية المحلية، يعبّر آخرون عن تخوفهم من أن يأتي تنظيمه في ظرف اقتصادي حساس، تعاني فيه فئات واسعة من المواطنين من ضغوط معيشية متزايدة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن المبالغ المخصصة للمهرجانات كان من الأجدر – حسب تقديرهم – أن توجه إلى قطاعات حيوية تمس حياة المواطن اليومية، كالصحة والتعليم وتحسين الخدمات الأساسية، خاصة في المناطق الداخلية.
قراءة أخرى: الثقافة كاستثمار طويل الأمد
في المقابل، يطرح المدافعون عن المهرجان مقاربة مختلفة، معتبرين أن الثقافة ليست ترفا، بل استثمار طويل الأمد في الهوية والاقتصاد، وأن مدائن التراث أسهمت، عبر السنوات، في تحريك عجلة السياحة الداخلية، وخلق فرص موسمية للفاعلين المحليين، من نقل وإيواء وصناعة تقليدية.
كما يشير هؤلاء إلى أن حضور رئيس الجمهورية شخصيا لإطلاق المهرجان يبعث برسالة سياسية وثقافية مفادها أن التنمية لا تنفصل عن الذاكرة، وأن بناء الحاضر يستوجب صيانة الماضي.
زيارة رئاسية… ورسائل تتجاوز المهرجان
ولا تقف أهمية زيارة الرئيس غزواني عند حدود المهرجان، إذ يترقب المتابعون ما قد تحمله من رسائل سياسية وتنموية، خاصة في ولاية آدرار، التي ظلت تطالب بتعزيز البنى التحتية وتحسين الخدمات، إلى جانب تثمين مخزونها الثقافي والسياحي.
ويأمل سكان الولاية أن تشكل هذه الزيارة مناسبة لتجديد الالتزام الرسمي بتنمية المناطق التاريخية، وجعلها شريكا حقيقيا في مسار التنمية الوطنية.
وادان في قلب المشهد
وبين من يرى في مهرجان مدائن التراث نافذة أمل لإحياء المدن القديمة، ومن يعتبره اختبارا حقيقيا لمدى التوازن بين الثقافة والعدالة الاجتماعية، تبقى وادان هذا الأسبوع في قلب المشهد الوطني.
زيارة غزواني، بما تحمله من رمزية، تعيد طرح سؤال جوهري:
هل تنجح الثقافة، حين تحظى بدعم سياسي واضح، في التحول من احتفال موسمي إلى رافعة تنموية دائمة؟
سؤال مفتوح، لكن الأكيد أن وادان، هذه المرة، لا تستقبل المهرجان فقط، بل تستقبل أيضا نقاشا وطنيا متجددا حول معنى التنمية، وحدودها، وأفقها.
محمد اعليوت ... ولاية آدرار

