قراءة تحليلية في التعديل الوزاري المُعلن اليوم/ عالي محمد ولد أبنو

قراءة تحليلية في التعديل الوزاري المُعلن اليوم/ عالي محمد ولد أبنو

جاء التعديل الوزاري الأخير ليؤكد مرة أخرى أن منطق التوازنات العائلية والقبلية داخل دوائر النفوذ هو الحاضر الأبرز في تشكيل الحكومات في الفترة الراهنة؛ فقد غادر الوزير محمد محمود ولد اعلي محمود ولد أمحيميد التشكيلة الحكومية، في سياق يتردد أنه مرتبط بحالة من عدم الرضا داخل بعض الأوساط النافذة المحيطة بالقصر الرئاسي. غير أن خروجه لم يكن قطيعة مع محيطه الاجتماعي، إذ تم تعويضه بخاله وابن عمه محمدو ولد أمحيميد، المنحدر من نفس الأسرة، أهل أمحيميد، إحدى العائلات الوازنة تاريخيا وبيت إمارة مشظوف.
هذا التعيين يعكس محاولة واضحة للموازنة بين امتصاص غضب بعض مراكز التأثير، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تمثيل عائلة ذات ثقل سياسي وإداري، طالما شغل عدد من أبنائها مواقع متقدمة في الدولة، من وزارات وسفارات ومناصب سيادية.

في السياق ذاته، غادر الوزير سيدي أحمد ولد ابوه حقيبة الزراعة والسيادة الغذائية، بعد فترة قصيرة من انتقاله إليها قادما من وزارة الاقتصاد والمالية قبل تفكيكها، وهي مغادرة تبدو امتدادا لسلسلة من الخلافات، سواء تلك المرتبطة بتباين وجهات النظر مع بعض النافذين الرسميين أو بمغاضبة بعض النافذين غير الرسميين، رغم ما يُشاع عن تضحيته الاجتماعية " النفيسة والمثيرة" في ما يتعلق بملف العطل الصيفية وتنفيذ ما فُهم أنه توجيه رئاسي بتشجيع قضاء العطل داخل البلاد.
وبمغادرة ولد ابوه للحكومة دخلها مباشرة ابن عمه الدي ولد الزين، الوزير السابق للتنمية الريفية، والمنحدر بدوره من بيئة اجتماعية واحدة في تجگجة (إدوعلي)، وهو بالضبط من تميلّه؛ ومن عائلة أهل الزين وهي عائلة تُعد أبرز مراكز الثقل الحكومي في بيئتها الاجتماعية، إذ أنجبت عبر العقود عددا معتبرا من الكفاءات الإدارية والعلمية والعسكرية، ممن تعاقبوا على مواقع المسؤولية في الدولة.

المفارقة التي تبدو لافتة في المعايير العالمية، والمألوفة في الأسلوب الموريتاني؛ تمثلت في إعفاء وزير الصحة، وهو طبيب تدرّج سريعا داخل القطاع حتى بلغ قمته، ليُستبدل بمهندس شاب قادم من وزارة المعادن والصناعة منحدر عائلة تشام الفولّانية ذات النفوذ والامتداد الإداري والعسكري. وهو تحول يثير تساؤلات مشروعة حول معايير الإسناد في قطاع يفترض أن تحكمه الخبرة التخصصية الدقيقة، في مشهد يمكن اختزاله بعبارة دالة: "حين استعصت الصحة على طبيب، أُوكلت إلى مهندس إنشاءات".

وفي قراءة نقدية لهذا النمط من التعيينات، يُستحضر ما يُنقل عن الناشط السياسي بيرام ولد اعبيدي، الذي عبّر عن استغرابه من ظاهرة "تدوير الوزراء" في موريتانيا، معتبرا أن من نجح في تسيير قطاعه كان الأجدر أن يُمكَّن من استكمال مسار الإصلاح فيه، ومن أخفق كان الأولى إبعاده نهائيا بدل تعيينه على قطاع آخر ليُبتلى هو الآخر بتكرار نفس الفشل ونفس الإخفاقات.

وعلى العموم، يكرس هذا التعديل مرة أخرى معادلة دقيقة تقوم على إبعاد من لا ينساقون مع مزاج دوائر النفوذ الجديدة المنحدرة من مدينة كيفة وضواحيها بالمعنى الجغرافي السياسي الواسع، والصاعدة من محيط القصر الرمادي بنسيجها الممتد نحو قطاعات الداخلية والثقافة والخارجية والتعليم العالي وميناء الصداقة وغيرها، وبدرجة أخف دوائر نفوذ مگطع لحجار وألاگ وغيرها من خيوط النسيج المتصلة بالوزارة الأولى، بالتوازي مع الحفاظ على توازنات محسوبة مع عائلات النفوذ التقليدي المتجذّرة في ما يُعرف بالدولة العميقة داخل مجتمعيْ البيظان والفلان؛ وهي معادلة تُعيد إنتاج بنية حكم قوامها الولاء للنافذين الجدد المرتبطين بالنظام الحالي، مع تمثيل مستمر للنافذين الأقدمين المرتبطين بالأنظمة السابقة ، وتُكرس هيمنة طيف محدود من العائلات على مقدرات البلد، مقابل تهميش واسع لبقية المجتمع، وإقصاء كثير من الكفاءات والطاقات عن المساهمة في دفع مسار التنمية وتحريك قاطرة النهوض. كما تُبقي هذه الصيغة صناعة القرار رهينة لمحاصصة عائلية غير مُعلنة، بدل أن تُدار وفق معايير الدولة الحديثة القائمة على الكفاءة والمؤسسية.