الإعلام لم يعد ناقلًا للحدث .. بل شريكًا في صناعة الوعي والمستقبل

الإعلام لم يعد ناقلًا للحدث .. بل شريكًا في صناعة الوعي والمستقبل

بقلم: المستشار الدكتور خالد السلامي
عضو مجلس أمناء اتحاد الإعلام العربي

إن إطلاق «اتحاد الإعلام العربي» تحت شعار «الإعلام مسؤولية مجتمعية» ليس مجرد إعلان عن كيان إعلامي جديد، ولا إضافة اسم آخر إلى خارطة المؤسسات والمبادرات الإعلامية العربية؛ بل هو، في تقديري، محاولة جادة لإعادة تعريف الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الإعلام العربي في مرحلة تتغير فيها الأدوات، وتتسارع فيها المعرفة، وتتبدل فيها علاقة الإنسان بالمعلومة.

لقد أصبح الإعلام اليوم أمام مسؤولية أكبر من مجرد نقل الخبر أو صناعة المحتوى.

فالإعلام يصنع صورة، ويشكّل وعيًا، ويؤثر في الرأي العام، وقد يفتح نافذة أمل، وقد يصنع فجوة من سوء الفهم إذا غابت عنه المهنية والمسؤولية.

ومن هنا جاءت أهمية الشعار الذي اختاره الاتحاد: «الإعلام مسؤولية مجتمعية»؛ لأن الكلمة الإعلامية ليست مجرد كلمات تُنشر وتنتهي، وإنما أثر قد يبقى في عقل إنسان، أو وجدان مجتمع، أو ذاكرة وطن.

إعلام عربي يجمع الخبرة ولا يلغي الاختلاف

إن أحد أهم ما نحتاج إليه اليوم هو الانتقال من فكرة العمل الإعلامي المنفرد إلى مفهوم الشراكة الإعلامية العربية.

فالوطن العربي يمتلك ثروة حقيقية من الإعلاميين والخبراء والباحثين وصنّاع المحتوى وأصحاب التجارب المتراكمة، ولكن القيمة الحقيقية لهذه الخبرات لا تظهر كاملة إلا عندما ننجح في جمعها، وتبادلها، وتحويلها إلى مشاريع ومبادرات وبرامج قابلة للتطبيق.

ومن هنا أرى أن «اتحاد الإعلام العربي» يمكن أن يشكل مساحة مهنية تجمع هذه الطاقات، وتفتح قنوات للتواصل بين الإعلاميين والمؤسسات وصنّاع المحتوى والباحثين والمتخصصين، بما يعزز فرص التعاون وتبادل المعرفة والخبرات.

نحن أمام إعلام مختلف

لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل الإعلام ونحن ما زلنا نفكر بأدوات الأمس.

لقد غيّرت التكنولوجيا شكل صناعة الخبر، وأعادت المنصات الرقمية تعريف مفهوم الجمهور، وأصبح المحتوى يصل إلى الإنسان خلال ثوانٍ، وأصبح المتلقي في الوقت نفسه قارئًا ومشاهدًا ومشاركًا وصانعًا للمحتوى.

وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى إعلامي جديد؛ إعلامي يمتلك أدوات التكنولوجيا، ولكن لا تسمح له التكنولوجيا بأن يفقد بوصلته المهنية.

نحن لا نحتاج إلى إعلام أسرع فقط، بل إلى إعلام أكثر وعيًا، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على التمييز بين سرعة النشر وقيمة ما يُنشر.

الشباب ليسوا مستقبل الإعلام فقط… بل حاضره

ومن القضايا التي أؤمن بأهميتها أن نعطي الشباب الإعلامي مساحة حقيقية للتجربة والابتكار.

فالأجيال الجديدة لم تدخل إلى الإعلام من الباب التقليدي، بل جاءت من قلب المنصات الرقمية، ومن صناعة المحتوى، ومن أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.

والمطلوب ليس أن نقف أمام هذا التحول متفرجين، وإنما أن نحتضنه ونوجهه ونستثمر فيه.

إن مستقبل الإعلام لن يكون لمن يمتلك التكنولوجيا وحدها، وإنما لمن يستطيع أن يجمع بين التكنولوجيا والمحتوى المهني والوعي والرسالة الإنسانية والمجتمعية.

من المبادرة إلى الأثر

أتطلع إلى أن تشكل المرحلة المقبلة مساحة حقيقية لإطلاق مبادرات ومشروعات إعلامية تهتم بالتدريب والتأهيل، وتطوير القدرات المهنية، وتشجيع الابتكار، ودعم صناعة المحتوى، وتعزيز الدراسات والبحوث الإعلامية، وفتح مساحات أوسع للتعاون بين المؤسسات والكفاءات العربية.

وأؤمن أن نجاح أي اتحاد أو مؤسسة لا يقاس بعدد الأسماء التي تنضم إليها، وإنما بما تستطيع هذه الأسماء أن تصنعه عندما تجتمع حول رؤية واحدة.

فقوة «اتحاد الإعلام العربي» ستكون في تنوعه، وفي خبراته، وفي قدرته على جمع الأجيال والمدارس والتجارب المختلفة تحت مظلة مهنية تقوم على الاحترام والشراكة وتبادل المعرفة.

رسالتي لكل إعلامي عربي

أقولها بوضوح:

الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، ورسالة قبل أن يكون وظيفة، وأمانة قبل أن يكون مساحة للظهور.

وعندما يمتلك الإعلام المهنية والوعي، فإنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يستطيع أن يكون شريكًا في التنمية، وصناعة المعرفة، وتعزيز التواصل بين المجتمعات العربية، وبناء جسور التفاهم بدلًا من تكريس الاختلاف.

ومن هذا المنطلق، فإنني أنظر إلى انطلاقة «اتحاد الإعلام العربي» باعتبارها فرصة لبناء مساحة عربية مهنية جديدة، يكون هدفها الإنسان أولًا، والمعلومة المسؤولة ثانيًا، والأثر المستدام ثالثًا.

نحن لا نريد إعلامًا يلاحق الحدث فقط… نريد إعلامًا يفهم الحدث، ويقرأ ما وراءه، ويصنع وعيًا قادرًا على التعامل مع المستقبل. وهذه، في تقديري، هي المسؤولية الحقيقية التي يحملها كل من اختار الإعلام رسالةً وطريقًا وأثرًا.
المستشار الدكتور خالد السلامي عضو مجلس أمناء اتحاد الإعلام العربي للتعرف على اتحاد الإعلام العربي ومشروعاته وبرامجه: "اتحاد الإعلام العربي" (https://reference-url-citation.invalid/0)