مجدى طنطاوى يكتب ... قولوا لأبنائكم صلوا لعل الحب يعود

مجدى طنطاوى يكتب ... قولوا لأبنائكم صلوا لعل الحب يعود

قولوا لأبنائكم صلوا ليس لأن الصلاة مجرد حركات تؤدى في أوقاتها ولكن لأننا نريد أن نعيد إلى قلوبهم شيئا من الرحمة التي غابت ومن الحب الذي انحسر ومن الخوف من الله الذي يجعل الإنسان يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون فقد أصبحنا نرى مشاهد مؤلمة بين أطفالنا وتحولت بعض المدارس من بيوت للعلم والتربية إلى ساحات للعراك والتنمر والعنف وكأن شيئا ما انكسر في داخل الإنسان ولم ننتبه إليه إلا بعد أن خرج غضبه إلى الشارع والمدرسة والبيت.

نحن لم نعد نحتمل هفوات بعضنا ولا نعطي مساحة للاعتذار ولا نبحث عن حسن النية وكأن القلوب امتلأت بمساحات جديدة من الغل والخصومة وسوء الظن حتى أصبح الخطأ الصغير قادرا على إشعال معركة والكلمة العابرة قادرة على صناعة خصومة والنظرة المختلفة سببا للكراهية
لذلك ربما يكون أول الغيث أن نقول لأبنائنا صلوا
لكنني لا أتحدث عن صلاة الحركات التي ينتهي أثرها بانتهاء التسليم ولا عن صلاة يؤديها الجسد بينما يبقى القلب بعيدا وإنما أتحدث عن صلاة الخشوع التي يتعلق فيها القلب بالله فيخرج الإنسان منها وهو يشعر أن الله حاضر معه في كل خطوة يراه حين يغضب ويسمعه حين يتكلم ويحاسبه حين يظلم فيتردد قبل أن يؤذي إنسانا أو يهين ضعيفا أو يمد يده على طفل أو يستهين بحقوق الآخرين

نحن لا نريد تخديرا للناس بالدين ولا نريد كلمات تحفظها الألسنة بينما تظل السلوكيات كما هي نحن نريد أن يفيق الناس من حالة التخدير التي خطفت أرواحهم وأن يدركوا أن الدنيا ليست نهاية الطريق وأن الإنسان عابر فيها إلى مستقر أبدي وأن ما يفعله اليوم ليس بلا حساب
قولوا لأبنائكم صلوا وعلموهم أن الصلاة ليست انفصالا عن الحياة وإنما إصلاح لها وأن من وقف بين يدي الله ثم خرج ليؤذي الناس فقد فقد المعنى الذي من أجله وقف وأن العبادة التي لا توقظ الضمير ولا تمنع الظلم ولا تعلم الرحمة تحتاج إلى أن نعيد فهمها في قلوبنا قبل أن نطالب أبناءنا بها

علينا أن نعيد إلى بيوتنا لغة الحب وإلى مدارسنا لغة الاحترام وإلى قلوب أبنائنا معنى الرحمة وأن نربيهم على أن القوة ليست في أن تغلب غيرك وإنما في أن تستطيع أن تنتصر على غضبك حين تكون قادرا على الأذى
ربما تبدأ الحكاية من كلمة بسيطة نقولها لأبنائنا كل يوم صلوا لكن الأهم أن يروا الصلاة في سلوكنا قبل أن يسمعوها في كلامنا يروا الأب يرحم والأم تسامح والكبير يحترم الصغير والقوي لا يظلم الضعيف وعندها فقط يمكن أن يفهم الطفل أن الصلاة ليست موعدا مع حركات يؤديها وإنما موعدا مع الله يعيد ترتيب قلبه كل يوم
لعلنا إذا أعدنا القلب إلى الله عاد الحب إلى الإنسان وإذا عاد الحب إلى الإنسان انحسر العنف وإذا انحسر العنف عادت مدارسنا إلى رسالتها الأولى بيوتا للعلم والتربية وصناعة الإنسان لا ساحات للعراك وتفريغ الغضب
فصلوا ولكن قبل أن تتحرك الأجساد في الصلاة أيقظوا القلوب