المفكرون بصفة عامة لم يكونوا يوما على مسار واحد فبين الإفراط والتفريط ضاعت في كثير من الأحيان روح رسالة الإسلام وتحولت من مشروع متكامل لإعادة صياغة الإنسان إلى شعارات مبتورة أو أحكام مجتزأة أو آيات معدودة ترفع كسيف قاطع على رقاب الناس دون فهم ولا وعي ولا إدراك لمقاصد التنزيل
ورسالة الإسلام في أصلها ليست طقوسا معزولة ولا أحكاما جامدة ولا خمس آيات تحفظ ثم تختزل فيها الحياة كلها بل هي جهاد متصل مع النفس ومشروع طويل النفس لإعادة بناء شخصية الإنسان من الداخل قبل أن ينشغل بتغيير العالم من الخارج
فالقرآن منذ آياته الأولى يوجه البوصلة إلى الداخل
( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها )
فالفلاح هنا ليس في كثرة الشعارات ولا في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة بل في تزكية النفس وتطهيرها من أمراضها العميقة من أنانية واستكبار وغضب وطمع وبغي وتسلط
إن النفس الإنسانية ليست كيانا محايدا بل هي ساحة صراع
( إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي )
ومن هنا كان الجهاد الحقيقي هو جهاد النفس لا كما اختزله البعض في عنف أو صدام أو تكفير بل كما أراده القرآن مجاهدة داخلية مستمرة ضد السقوط الأخلاقي وضد الظن السيئ بالآخرين وضد الحقد والحسد والكراهية
فالقرآن لا يبني إنسانا ناقما بل إنسانا عادلا
( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )
ولا يبني إنسانا متعاليا بل إنسانا متواضعا
( ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا )
وهنا يظهر الخلل الكبير حين يأتي من يقول إن الإسلام خمس آيات فقط ثم يقرر أنها القول الفصل والحكم القاطع الذي يحدد حياة من آمن بالله وكأن القرآن كله اختزل في بضعة نصوص تقرأ بلا سياق وتفهم بلا مقصد وتطبق بلا عقل
هذا هو الإفراط بعينه كما أن التفريط لا يقل خطرا حين يتحول الإسلام إلى مجرد قيم عامة بلا التزام ولا ضبط ولا مرجعية
فالقرآن يقدم مشروعا متوازنا
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا )
وسطية لا تعني التميع ولا التشدد بل تعني العدل والاتزان والوعي بالسياق والإنسان
والدنيا في هذا المشروع ليست هدفا ولا لعنة بل اختبار
( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد )
فمن فهم هذه الحقيقة لم تغره الدنيا إن جاءت بخيلها وخيلائها ولا حزن إن ذهبت بأموالها ومتاعها ولهوها لأنه يدرك أن
( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام )
فالإنسان الذي يعاد تشكيله قرآنيا هو إنسان لا يعبد المال ولا المنصب ولا الجاه
( ما عندكم ينفد وما عند الله باق )
وهو إنسان يعيش الخشية لا الخوف
( إنما يخشى الله من عباده العلماء )
خشية واعية نابعة من إدراك يوم الحساب ومن مواجهة رب الأرباب لا من فزع مرضي ولا من استعلاء أجوف
إن أخطر ما أصاب الخطاب الديني والفكري هو هذا الميل الحاد إما إلى إفراط يغلق العقل ويكفر المخالف ويختزل الدين في نصوص سيوف أو إلى تفريط يفرغ الإسلام من جوهره ويحوله إلى أخلاق بلا شريعة أو روح بلا التزام
بين الإفراط والتفريط تضيع رسالة الإسلام التي جاءت لتحرر الإنسان من عبودية الشهوة ومن طغيان الأنا ومن وهم الخلود في الدنيا
( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون )
فالعودة إلى القرآن ليست عودة إلى خمس آيات منتقاة بعناية أيديولوجية بل عودة إلى المنهج الكلي الذي يخاطب العقل والقلب والسلوك ويصوغ إنسانا متوازنا قادرا على مجاهدة نفسه قبل أن يدعي إصلاح غيره
وهكذا فقط نستعيد الإسلام رسالة حياة لا أداة صراع ورسالة تزكية لا وسيلة تسلط ورسالة نجاة لا مشروع هلاك
على محمد الشرفاء يكتب.. بين الإفراط والتفريط كيف اختزل بعض المفكرين رسالة الإسلام وأفرغوها من مشروعها الإنساني....

