الحياة في جوهرها تبادل طاقة قبل ان تكون تبادل مصالح فالانسان لا يعيش منفصلا ولا يقدر على الاستمرار وحده نحن نشحن بعضنا بعضا بالكلمة وبالموقف وبالنية وبالعدل وبالرحمة وكما علمنا الله في كتابه ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض فالدفع هنا ليس صراعا دائما بل توازنا يحفظ الحياة ويمنعها من الانهيار
لكن كيف يستمر الانسان في شحن بطاريات الاخرين وهو مستنزف من الداخل وكيف يطلب منه العطاء الدائم وهو لا يجد من يرد له القليل من المعروف سواء داخل اسرته الصغيرة او الكبيرة او بين اصحابه وزملائه او حتى مع الغرباء في الشارع
لقد انتشرت حالة خطيرة من انكار المعروف جحود يتسلل بهدوء الى القلوب حتى يورثها ظلمة فلا تعود ترى الجميل ولا تشعر بالفضل ولا تميز بين من احسن ومن اساء ومع هذه الظلمة تصبح النفوس ضيقة سريعة الاشتعال فيكره الناس بعضهم بعضا دون سبب واضح وتتحول العلاقات الى ساحات توتر بدل ان تكون مساحات امان
ومن هنا نفهم لماذا نسمع كل يوم عن جرائم قتل بلا معنى بين الارحام والجيران والاصدقاء كأن القلوب فقدت حساسيتها وكأن الروح انسحبت من العلاقات وبقي الجسد وحده يتحرك بعصبية وعنف وليس لهذه الحالة من دون الله كاشفة
نحن نعيش بالفعل زمن الجحود لا لان الخير اختفى بل لان القلوب تعبت ولم تجد من يرممها ومن يرد لها طاقتها ومن يعترف بتعبها فالانسان حين يفرغ تماما اما ان ينسحب في صمت او ينفجر في وجه اقرب الناس اليه
ولا خلاص من هذا الانحدار الا بالعودة الى اصل المعنى ان نعيد الاعتبار للشكر ولرد الجميل وللرحمة البسيطة وللكلمة الطيبة وان ندرك ان انقاذ انسان مرهق قد يكون اعظم من الف خطبة وان شحن القلوب لا يتم الا بقلوب حية تعرف الفضل ولا تنكره
مجدى طنطاوى يكتب جحود القلوب حين تنفد طاقة البشر

