الأنظمة لا تبقى صدفة، بل بوعي شعب، وبصيرة قيادة، واقلام مثقفين وفكر مفكرين واتحاد قانون وضمير. إنها شجرة لا تقوى عليها العواصف ما دامت جذورها في القلب، وما دام أبناؤها يجدون فيها معنى البقاء ووعد الغد.
إن انهيار الثقة المجتمعية، واستبدال المثقفين بالمزمرين والمفكرين بالمنافقين والعلماء بالمطبلين والانسداد الاقتصادي لجيل يرى العالم يركض تكنولوجياً بينما واقعه يرزح تحت وطأة التهميش. من قبل زمرة تتحكم في مصائر وأرزاق البلاد مدعومة، بترسانتها من المتملقين و المنافقين والخنثويين وكل رويبضة تاصل الجهل وعشش وباض وفرخ فيه . جعلت كل امل للمواطن الموريتاني في غد أفضل يتحطم
اليوم، ونحن نرقب المشهد الجيوسياسي المتسارع، نجد أن التهديد الأكبر لم يعد يأتِ من الفواعل الدولتية الكلاسيكية المتمترسة خلف الدبابات، بل من "أسراب رقمية" لا مرئية، تولد من رحم الميم الساخر، وتتغذى على لوغاريتمات التضخيم الاصطناعي.
إنه تجسيد حي للتمرد الهجين المصنوع بالذكاء الاصطناعي في حروب الجيل الخامس التي لا تسعى لتدمير البنية التحتية المادية، بل لهدم "القيم الأخلاقية للأنظمة الهشة ، وتحويل هيبة النظام إلى مادة للتهكم اليومي المتواصل.
و خلق الشحنة سيكولوجية لغضب الشعبي يتخفى خلف منصات التواصل الاجتماعي ٠
لكنه يضخ الإحباط ويسقط الثقة بمؤسسات الدولة. بعد.هروب الجميع من همومه الي عالم ممسوخ افتراضي تغذيه عوامل ثلاثة :
1. الاغتراب الشبكي الشديد:
وهي فجوة هائلة بين واقع اقتصادي بائس
استدان فيه نظام النهب اكثر من 13 مليارا وثلاثمائة مليون دولار وهو المبلغ الذي استدانته 9 انظمة بين 1960-2019 لمدة 60 سنة .
في ما استدان نظام الزيدانيين من 2019- 2026 لمدة 7 سنوات مبلغا قدره 14 مليارا وأربعمائة مليون دولار .
مع سوء تسيير وتدني خدمات وارتفاع بطالة)
2. الانفصال عن الخوف الفيزيائي: واكتساب جرأة هستيرية في تحطيم المنظومة، المجتمعية التي يواجهها من خلف شاشات زجاجية مستعارة تحميه سيكولوجياً من التبعات الفورية. واللعب علي سيفونيه الون والعرق والقبيلة والجهة
3. إدمان الدوبامين البديل: وهو حُب نيل "الإعجابات والمشاركات"، حتي يُصبح هو التقدير الاجتماعي الوحيد المتاح له كبديل عن الفشل في العثور على مكانة في الواقع الحقيقي. حتي ولو كان علي حساب آمن بلد واستقرار وطن
وسط هذا الانسداد سياسي لغير مسبوق، في ظل نظام تتنازعه خيارات أحلاها مرّ بين الاستمرار في قرع طبول الانقلاب علي الشرعية وضرب عرض الحائط بكل شيء بعد نهب كل شيء
وصناعة أزمات، يصنع منها هالة من الخوف يخفي ورائها فشله
أو الرضوخ لمسار يعلم الجميع ان افراده سيتجرعون كأس المهانة والذل حين تتكشف المعطيات الميدانية آلتي خلفتها سياسات نهب المنظم سبع سنين من البطش وسوء الإدارة حتي أصبحت اهم مؤسسة حكومية وهي القصر الرئاسي لامكان فيه إلي لرويبضة متملق او منافق مزمر او خنثوي ديوث او مفسد خرج من عشرية يجر فضائح فساده ذليلا !!!
ليجد المواطن الموريتاني نفسه أمام النظام الذي وصل وهو يحمل شعار الرفاهية يحول البلاد الي نظام يرقص علي صفقاته راقص الأعراس بالأمس ويحول ممتلكاته زيدان القصر الي أرصدة يتبجح بها عبر منصات التواصل الاجتماعي علي مواطن يجد قوت يومه بشق الأنفس وتنهب ملياراته عن طريق مهرجانات السخافات والبذاءات وتصبح اسرار بلاه صفقات تدار عبر المدونين وغرف نوم الموميسات تجارة رابحة بعد سبع سنين من النهب و الفساد وزبانية وساسته للعبة في يد عصابات الابتزاز
تحول الجميع الي مجموعات مافيوية تتصارع علي نهب البلاد والعباد عبر التسريبات وبيع المعلومات وتصفية الحسابات وخرج الوطن والمواطن من قاموس النظام وازلامه الي في تصريحات جوفاء بين الفينة والاخري او علي منصة لا يتابعها 1% من الشعب الموريتاني او عبر زيارات بهلوانية تحمل من الأضرار أكثر من ماتحمل من الفوائد او من خلال تدشينات وهمية تنهب من خلالها المايارات !!!! سقطت هيبة الدولة وسقطت الأخلاق وكل القيم وضاعت موازين الحكم بين صولة خنثىوي وضجيج الخفافيش فقدت السياسة قدرتها على إقناع المواطن ، و تسلّلت السخافة لتقود البلاد وإذا غدت السخافة فاعلاً استراتيجياً يُصاغ بـالخوارزمية، تهاوت قداسة النظام أمام زحام الجحور، ولن تحمي الحصون كِياناً استبدل برامج التنمية بصكوك الوهم، فلم تكن السياسة يوماً مجرد نصوص تُتلى في ردهات البرلمانات، بل هي في جوهرها هندسة لإدارة "الانتباه العام" وصياغة "الشرعية الإدراكية".
ليس وجود النظام من اجل حدودًا تُرسَم أو سلطة تُمارس، بل حضور خفيّ يبدأ في الوجدان قبل أن يتجلى في الواقع. فهو حاجة المواطن إلى مأوى روحي يفسّر انتماءه، ويمنحه شعورًا بأنه جزء من قصة جماعية تمتد أبعد من فرديته. ولأجل ذلك، لا يصبح البقاء هبة تُعطى، بل امتحانًا متواصلًا يختبر قدرة المجتمع على صناعة المعرفة والعدل وسط تعقيدات العالم.
وفي هذا الامتحان تنشأ الشرعية، لا من نصوص مكتوبة، بل من ثقة متبادلة بين النظام ومواطنيه ثقة تشبه النبع الذي يغذي جذور الشجرة. فإذا ضعفت، انهار البناء من الداخل، لأن النظام يموت في القلب قبل أن يندثر
ومن الشرعية يولد الأمن، لا كقوة ظاهرة بل كشعور يسمح للمواطن أن يحيا بلا خوف، وأن يفتح عينيه على صباح مضمون الكرامة. فإذا غاب هذا الشعور، بدت القوة سطحًا هشًّا، مهما تعددت أدواتها.
والاقتصاد، في عمقه، هو قدرة النظام على تحويل الجهد الإنساني إلى قيمة وكرامة. فإن اختل ميزانه، عاش المواطن غريبًا في وطنه؛ وإن اعتدل، صار الوطن تجربة تُعاش، لا عبارة تُقال، وعادت الروابط بين الأرض وأبنائها حيّة ونامية.
ويستمد النظام قوته من وحدة المجتمع، فالهويات الضيقة تعزل الأفراد، أما اتساع الهوية فيجمعهم في معني مشترك يجعل الوطن جذرًا وأفقًا في آن واحد. ومن هنا تتقدم العدالة كأهم خيط يشد المواطن إلى النظام ، لأنها الضوء الذي يمنع تحوّل الوطن إلى ساحة صراع، ويجعله مساحة كرامة وأمان.
وحين تُشيّد المؤسسات على أخلاق راسخة، لا على أنظمة جامدة، تصبح ذاكرة الدولة وعقلها، تضمن استمرارها مهما تغيّر الأشخاص، وتحفظ روحها من تقلبات اللحظة.
وفي علاقتها بالعالم، تحتاج الدولة إلى حكمة تُوازن بين الانفتاح والانكفاء؛ فالعزلة إلغاء للذات، والانفتاح بلا وعي تبديد لها. فقط التوازن يمنح الدولة مكانها بين الأمم دون أن تفقد جوهرها.
ويبقى العلم الرافعة الكبرى: النور الذي لا ينطفئ، والأساس الذي تُبنى عليه إرادة الشعب وقدرة النظام على كتابة مستقبله ومن يغفل العلم، يهدم نفسه قبل أن يهدمه الغير .
اذا كان رَبُّ البيتِ بالدفِّ ضارباً فشيمةُ أهلِ البيت كلِّهِمُ الرَّقصُ
بقلم شيخنا سيد محمد
كاتب صحفي

