الضرائب بين العدالة الاجتماعية وازدواجية الخطاب السياسي

الضرائب بين العدالة الاجتماعية وازدواجية الخطاب السياسي

الأستاذ إدوم ولد أحمد مزيد

غريب أن ترى من يُحسَبون على الطبقة السياسية للبلد، ويُفترَض فيهم السهرُ على تنوير الرأي العام، والإسهامُ في تشكيل وعيه، وحثه على البناء ونبذ الكسل والتفرقة، وغيرهما من مثبِّطات التنمية، ثم تسمعَهم يتكلمون بكل جسارة عن خطورة فرض الضرائب، ويتمادوْن في غيِّهم لِيعتبروها غريبةً على أسلوب الحكم في البلد، وتحمَرُّ في مخيِّلتهم الخطوطُ حَدَّ تحريمها. 

فكم هو عجيبٌ، أي واللهِ، أمرُ هؤلاء، وكم هو غريبٌ منطقهم ومسعاهم. 

ألا يرون، كلَّ يوم و ليلة أنواعا شتى، وأشكالا من التبذير غير مسبوقة يرعاها، بشكل مباشر أو غير مباشر، بعض أثرياء هذه الربوع في أفراحهم، ويقيمونها -أو تقام لهم- في أتراحهم: في العقائق والأعراس والمآتم وما شاكلها من المناسبات. 

فأيُّ عقل يقبل بهذا، وأيُّ نقل يقرُّه، وأي طبع سليم يرضاه؟! لكنك تراهم، وهم ينظرون إلى ذلك كله غير مكترثين، وأدنى مراتبهم أن يقروه بصمتهم المتمالئ المداهن الجبان، متناسين أن ثلاثة أرباع هذا الشعب الطيب يعيشون على ما توفره الدولة من مساعدات غذائية وتأمينات صحية، ويتلقى أبناؤهم الرعاية والتعليم في المدارس والجامعات العمومية.

أما كان حريا بهؤلاء أن يدركوا -لو يدركون- أن الدولة إذْ تأخذ من الغني جزءا من فضلة ماله لصالح أخيه الفقير، فإنما تطهره بها، وتؤمنه من بوائق الزمن الغدار، وتسكت به جوع أخيه، حفظًا للتوازن، وضمانا للتعايش السلمي! أَوَ لَا تقوم الدولة، من خلال هذا التوزيع، بأحد أدوارها الضامنةِ بقاء المجتمع، وتوطيد لحمته.، وترسيخ أركانه، وتقوية بنيانه.

أما سألوا أنفسهم - ولو مرة واحدة - علامَ ترتكز الدول في تنوع مواردها؟ وبأي وسيلة تؤمن تكاليف الأمن والصحة والتعليم ... إلخ. أوليس للسائل والمحروم حق في أموال الأغنياء؟ أم يرون أن ترك الفقراء يواجهون قسوة الظروف العاتية بلا ظهير، والانحياز إلى الأغنياء، هي مهمة الدولة.

أليس من الإنصاف الاعترافُ أنه دون تأمين الموانئ، ووسائل الشحن والتوصيل والإيداع والتسويق ما كان أي استثمار ليكون ممكنا؟

وأغرب مما استعرضنا سابقا أنك ترى أقواما فقراء، أو في حكم الفقراء، ينخدعون بهذه الدعاية الرخيصة، ويستميتون في الدفاع عنها والترويج لها، مناصرين باطلًا هُمْ - ومن في مستواهم المعيشي- أولُ المكتوين بنيرانه.

أما في الحقل السياسي، فليس بوسعي إخفاء استيائي البالغ، واستغرابي الشديد من هذه الرعونة التي تدفعني اليوم إلى التصريح بتأييدي الكامل لجهود الحكومة الهادفة إلى إحقاق هذا الحق المتعين، ولو جاء متأخِّـرًا، فلن يصح، في نهاية الأمر، إلا الصحيح، ولن يبقى إلا الأصلح. 

وللحكومة أقول: افرضوا الضرائب وركِّزوا على الكماليات لدعم المواد الأساسية، لتخفِّفوا على الضعيف اتِّساقًا مع توجيهات رئيس الجمهورية المنحاز دوما للفقراء والمهمشين، ولتقليص الهوة بين طبقات المجتمع.

وإني لعلى يقين أن اثنتين أنتجت اثنتين.

أولاهما أنَّ فساد المنظومة التربوية في العقود الماضية، كان السبب الرئيس، حتى لا أقول الأوحد، في هذه الخطابات المتطرفة والعبارات النابية، والدعوات للفرقة والتشرذم. 

وأملي كبير أن نجني، في وقت قياسي، ثمارَ جهودنا الإصلاحية في المنظومة التربوية، فتعود للخطاب السياسي هيبته وسموه، وللسياسي حياء المتعلم الرزين وفصاحة المثقف الرصين.

وأما الثانية، فتغاضي السلطات العمومية عن تشكيلات سياسية متكاثرة، كأنها الفطر أوان انتشاره؛ أعني التنظيمات العبثية التي برزت حين غفلة من الوعي الجمعي، وجمعت الأموال الطائلة من الفقير قبل الغني، تارةً باسم الدين، مدغدغةً العواطف بالبكاء والتباكي، وطورًا باسم القبيلة والجهة وأخواتهما، في استدرار رخيص لعواطف الناس بما أوتوا من سحر الكلمة وقوة الإلحاح.

وقد انتهى الأمر بهؤلاء أن اعتقدوا أنَّ أموالَ هذا الشعب الطيب حكرٌ عليهم دون غيرهم، لا يقبلون فيها زكاة ولا ضرائب، ثم يصرفونها في أوجه خفية اللهُ أعلم بها؛ والمؤكد أنْ ليس من ماتع الكلام سردُ تفاصيلها.

في هذا السياق، لا إخال موريتانيا عاقلا يفوت فرصة هذه الظرفية السياسية الراهنة، في ظل حكم صاحب الفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي أرسى دعائم دولة  المؤسسات، ووفى ببرنامجه الانتخابي الذي جاء، في الأصل، استجابة لتطلعات الموريتانيين، واختار لتنفيذ ذلك صاحب المعالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي الذي أخذ الكتاب بقوة وأمانة كرسالة تكليف، وعكف على تجسيد تلك السياسة واقعا ملموسا على الأرض، من خلال استراتيجيات وخطط واقعية وقابلة للتطبيق،  فأطلقت المشاريع الكبيرة في كل ركن من أركان الوطن، فلم تعد العين تخطئ رؤية الإنجازات الشاهدة، والمشاريع الواعدة.

إنها لفرصة لكل من يهتم بالشأن العام ويهتم بتقدم وطنه، كي يلتحق بركب المساندين الداعمين لهذه الحكومة التي تعمل على كل الصعد لسعادة مواطنيها. 

وما تلك الهجمة التي نشهدها الآن على شخص الوزير الأول من أوساط مختلفة، منها أفراد من الحرس القديم، وبعض من فلول باعة الوهم، وثلة من المخلفين عن ركب التنمية، يجمعون المال ويمنعون ما عليهم من حقوق، ثم يلقون اللوم على صاحب المعالي الوزير الأول، لا ينقمون منه إلا حب هذه الأرض والإخلاص في خدمتها.

ففي كل ذلك التململ والتذمر دليل إضافي على صرامة الرجل وتصميمه على خوض معركة الإصلاح الشاملة، مهما كلف الثمن، لتأكده من الإرادة السياسية العليا الحكيمة والتي لا تريد إلا الإصلاح، كما يعرف أن المواطن الموريتاني يستحق كل خير. وهو به جدير.

وملخص القول: إن الحكومة هي المسؤولة الوحيدة عن أمن البلد وحمايته وتوفير أسباب الحياة اللائقة الكريمة على أرضه، وهي مخولة، في سبيل أداء مهماتها الوطنية، بفرض الضريبة على أغنيائه.