د أيمن السيسي
كان للحج ومناسكه دور عظيم في تجذير الإسلام في غرب أفريقيا ، بل كان له دور في إنشاء مدن أصبحت منارات للعلوم الإسلامية ( وادان نموذجا ) وكان لحجاج صحراء صنهاجة (موريتانيا حاليا ) أثر هاما في نشر الإسلام فيما جاورها ، بعد أن انفصلوا عن قوافل " ركب الحج التكروري " ،وكونوا قوافل تخرج من مدينة شنقيط ، لتعرف بركب الحج الشنقيطي ، فهذه القوافل كونها تجار وفقهاء " شنقيط " - المدينة الموريتانية التي أصبحت علامة واسما لكل ( موريتانيا الحالية ) ، وبذلك عرف الموريتانيون في المشرق بالشناقطة .
ولايدرك المعاصرون مدى جسارة حجاج موريتانيا في إقدامهم على السفر للحج بالبحر وهم لا يعرفونه ، وكان أغلبهم يخشون البحر ، فقد اعتادوا على سفر البر بالجمال عبر الصحراء ، و لأن القوافل غالبا ما كانت تتعرض للسطو والسرقة من عصابات الصحراء وقطاع الطرق والمحاربين ، فقد أفتى بعض فقهاء موريتانيا ( منهم محنض بابه الديماني ) بتحريم الحج ، لأن فيه ضياعا للأنفس والمال ،ولهذا فإن المنصف من الباحثين عندما يتعرض لدور الحج ورحلاته وقوافله لابد أن يشيد بجسارة وقوة الحجاج الموريتانيين في إقدامهم على رحلات الحج – حتى في أوقات الأمان وهي قليلة - لما يتعرضون له من شقاء وجهد وتعب في رحلات كانت أحيانا تستغرق عاما كاملا أو في أقصرها شهورا عديدة مثل الفقيه ( الحاج محمد فال بن باب العلوي هو أحد فقهاء هذي البقاع ، من قبيلة أدوعلى وهي من قبائل الشرفاء العلماء ومن أهم القبائل العالمة ذات النسب النبوي الشريف ) الذي أقدم على السفر للحج عن طريق البحر عام 1307 ه/ 1889 م ، وما إن علم أهله حتى "خيم عليهم الحزن حسرة على الفراق ، فقد كانوا يعلمون أن الحاج قلما يعود سالما إلى أهله وبلده وعشيرته " وباع شقيقه السالك جملا بثلاثين أوقية ، وقدم له غير ذلك الكثير - كما قال الحفيد عبد الله محمدي – الكاتب والصخفي الموريتاني الكبير الذي تتبع رحلة جده محمد فال بن باب العلوي ورحلته إلى الحجاز ، ليزور نفس الأماكن التي ارتادها جده في رحلته بداية من ( أندر ) سان لويس الحالية في السنغال ليستقل البابور ( السفينة ) من داكار عاصمة السنغال حاليا متجها إلى الإسكندرية عبر ميناء مرسيليا الفرنسية ، ثم بالقطار إلى السويس ، ومنها عاود ركوب البحر إلى جدة ومنها إلى الكعبة المشرفة . هذه الرحلة تتبعها الصحفي والكاتب الكبير عبد الله محمدي بعد أن عثر صدفة على المخطوط الذي سرد فيه الجد العالم الفقيه تفاصيل الرحلة ، عندما كان صبيا يجتهد وهو يتمرن على تقليد خطه . أبدع عبد الله في سرد رحلة جده بتتبعه لنفس الأماكن وزيارتها مضفرة بما سجله جده الفقيه العالم محمد فال بن باب العلوي من تفاصيل رحلته ، ويخبرنا الحفيد وهو يعيد صناعة إحياء الحدث و يتساءل : هل كتب الجد له هذه الرحلة لكي يعيد إحياءها عبر إعادة سردها ؟ و لم ينس عبد الله محمدي أن يشير إلى بعض الأماكن والأحداث والعلماء ومنهم علماء في الطب في موريتانيا وعلاقة الفقهاء بالأمراء ، كما يطلق صرخة لمن أراد أن يتذكر أن في هذه الصحراء عشرات الآلاف من المخطوطات لا تزال في صناديق أو غيرها من أواعي الحفظ ولكنها للأسف لا تحفظ كثيرا !!
ويذكر عبد الله من مخطوط جده الفقيه التفاصيل والأسعار - آنذاك – فثمن الرحلة على السفينة من داكار غلى إلى مرسيليا 36 ريالا حسنيا ، ومن مرسيليا إلى الإسكندرية ثمنها 12 فرنكا فرنسيا ، واستغرقت في البحر عشرة أيام ، ولم يهمل الجد أن يسجل مادار على السفينة بينه وبين رفاقه من الركاب ، فذكر جدلا طريفا بينه وبين بعض الشوام الذين رافقوه على السفينة وأغلظوا عليه لكنه أفحمهم برد الفقيه وصبر الصحراوي وهدوءه ، و ذكر مساجلة بينه وبين مصري صعيدي جادله في الشعر وأيام العرب وبعض أحكام الفقه وعلم الكلام ، وتذاكرا بردة الإمام البوصيري.. و عن الإسكندرية وأهلها سجل الجد عمن صادفه من شخصيات بديعة وكريمة، ومنهم عبد الفتاح أحد سماسرة الميناء الذي ما إن عرف أن الجد قادم من بلاد شنقيط البعيدة حتى أنشد ....
لو علمنا مجيئكم لفرشنا …مهج القلب أو سواد العيون
وكان الرجل (عبد الفتاح ) يعرف الشيخ ماء العينيين (بن محمد فاضل أحد أعلام الفقه والجهاد ) ، وهو ما جعل الجد يثق فيه ، ولمن لا يعرف العقلية الصحراوية ، فإن رجل الصحراء لا يثق في رجال المدن سريعا ، خصوصا في البلاد البعيدة ، وإن وثق سلم، وإن ظرافة المصريين وحفاوتهم بالرجل الشنقيطي كانت مبهجة وباعثة على الاطمئنان ، مثل كاتب " الباسبورتات " الذي دعاه لشرب القهوة التي لم يستسغها الفقيه الشنقيطي ، " رغم أنه المشروب الذي يكرم به المصريون زوارهم " ، وأيضا الشيخ محمد جودة الذي قام على خدمته هو ورفيقه محمد الحسن بن ألمين، واصطحبه عبد الفتاح الذي أخبره أن الشيخ أحمد حمزة ( أحد شيوخ وعلماء الإسكندرية المشهورين ) طلب منه إذا وصل أي حاج من علماء شنقيط أن يدعوه إلى منزله و" في منزله الفخم وأكرمهم وحاورهم وقال لهم أنتم الشناقطة الذين تعرفون علم الأدب وفنونه " وفي حارة الشمرلي اتخذ الجد الفقيه سكنا حتى موعد رحيله إلى القاهرة ثم السويس ، وجاء الحفيد ليتفقدها وكذلك شارع إسماعيل صبري وراس التين ومسجد أبو العباس المرسي وحي الجمرك " مثلما فرح الإسكندرانيون بالجد قبل قرن ونيف ، وعاملوه بلطف وكرم ونبل ، عرضوا علينا – يقول الحفيد عبد الله محمدي - تناول الشاي والخبز البلدي ... وعاداتهم في الضيافة لا تختلف عن عادات وكرم ولطف الشناقطة واهتمامهم بالغرباء " ... الكتاب " رحلة الحج على خطى الجد " للكاتب عبد الله محمدي رااائع وحافل بالتفاصيل والمعلومات التي دققها الكاتب وأوردها عن كل مكان زاره على خطى الجد ، وهو بذلك يفتح لنا الآفاق لكتابة جديدة تستعيد القديم وتأصله وتذكرنا به

