مجدى طنطاوى يكتب هل أصابنا الضنك بما كسبت ألسنتنا من قذف وافتراء؟

مجدى طنطاوى يكتب هل أصابنا الضنك بما كسبت ألسنتنا من قذف وافتراء؟

هزتني آيات القرآن الكريم وأنا أستمع إلى قول الله تعالى
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
سورة النور 23 - 24

وقفت أمام هذه الآيات متسائلا كيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه الطعن في الأعراض أمرا عاديا يتداوله الناس في المجالس وعلى الشاشات وعبر مواقع التواصل وكأن الأمر مجرد كلمات عابرة لا وزن لها ولا حساب

لقد جعل الله اتهام المحصنات جريمة عظيمة تستوجب اللعنة في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم لأن الاعتداء على السمعة ليس اعتداء على فرد واحد بل هدم لأسرة كاملة وزرع للشك والعداوة والكراهية بين الناس

واليوم لم يعد القذف مقتصرا على اتهام النساء بالفاحشة بل اتسعت دائرة الاتهام والتشهير والافتراء حتى أصبحت سمة من سمات حياتنا اليومية فكم من إنسان حوكم على صفحات التواصل قبل أن يعرف الناس الحقيقة وكم من امرأة أو رجل شوهت سمعتهما بسبب إشاعة أو منشور أو كلمة أطلقها شخص بلا بينة ولا دليل

قال تعالى

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
سورة النور 4

إن القرآن لم يكتف بتحريم القذف بل وضع شروطا تكاد تجعل إطلاق الاتهام أمرا مستحيلا دون دليل قاطع حماية للأعراض وصيانة للمجتمع من الفوضى الأخلاقية ومن انتشار الظنون والأكاذيب

لكننا اليوم نعيش واقعا مختلفا حيث أصبح كثير من الناس يشاركون في نشر الإشاعات دون تفكير ويعيدون تداول الاتهامات دون تحقق ويعتبرون ذلك حقا من حقوق التعبير بينما هو في ميزان الله عدوان وظلم وإفساد

ولعل ما نراه من شقاء وضيق واضطراب في المجتمعات ليس بعيدا عن هذا الانحراف الأخلاقي الكبير فالله سبحانه يقول

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
سورة الشورى 30

ويقول سبحانه

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
سورة الروم 41

فحين يستخف الناس بحرمة الكلمة وتضيع القيم ويصبح التشهير والتجريح والتخوين والقذف جزءا من ثقافة المجتمع فإن الثمن لا يدفعه الأفراد وحدهم بل تدفعه الأمة كلها من أمنها واستقرارها وأخلاقها وترابطها

إن أخطر ما في القذف أنه يبدأ بكلمة وينتهي بخراب حياة كاملة وقد حذرنا الله من اتباع الظن ومن نقل الأخبار بلا تثبت فقال سبحانه

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
سورة الحجرات 6

إن هذه الآيات ليست مجرد تلاوة نتأثر بها ثم نمضي بل هي رسالة تحذير لكل لسان يطلق الاتهامات ولكل يد تكتب الأكاذيب ولكل شخص يشارك في نشرها أو الترويج لها

فإذا كان الله قد توعد قاذفي المحصنات باللعنة والعذاب العظيم فكيف يطمئن من جعل من التشهير بالناس هواية ومن الخوض في أعراضهم وسيلة للترفيه أو الانتقام أو جمع المتابعين

لقد آن الأوان أن نراجع أنفسنا وأن نعيد للكلمة حرمتها وللإنسان كرامته وأن نتذكر دائما أن ما نكتبه أو نقوله اليوم ستشهد به ألسنتنا وأيدينا وأرجلنا غدا بين يدي الله يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا متابعون إلا من أتى الله بقلب سليم.