في ولاية اترارزة، حيث تتعطش الأرض لمشاريع التنمية وتنتظر الساكنة تحسين واقعها المعيشي، يقف "المجلس الجهوي" كشاهد صامت على واحدة من أبشع صور التعطيل الإداري والهدر المالي. فبدلاً من أن يكون هذا المجلس قاطرة للتنمية المحلية و"بلدية كبرى" تأخذ على عاتقها النهوض بالولاية، تحول إلى مؤسسة مشلولة، تبتلع ميزانيات ضخمة دون أن تترك أثراً يُذكر على أرض الواقع.
ميزانية فلكية وتنمية صفرية
يتمتع المجلس الجهوي لولاية اترارزة بميزانية ضخمة تبلغ 400 مليون، وهي أموال وُضعت قانونياً بين يدي المجلس لإحداث ثورة تنموية في قطاعات الصحة والتعليم، وتطوير البنية التحتية من طرق ريفية وكهرباء ومياه. لكن الواقع الميداني وشهادات السكان تؤكد حقيقة صادمة: لم يُسجل للمجلس أي تدخل تنموي يُذكر منذ انتخابه.
المدارس تتهالك، النقاط الصحية تعاني، والبنية التحتية شبه غائبة، بينما تقبع ميزانية المجلس في دهاليز التسيير الغامض، بعيداً عن أعين الشعب الذي دُفعت هذه الأموال باسمه ولأجله.
فضيحة المساعدات الخارجية: أموال الدعم في الحساب الشخصي للرئيس!
ولعل التجاوز الأخطر، والفضيحة المالية الكبرى التي تضرب بعرض الحائط كل الضوابط القانونية والمؤسسية، لا تتعلق بالميزانية الرسمية وحدها، بل بالتمويلات والمساعدات وهبات الدعم المالي التي تتلقاها الجهة من أطراف وشركاء خارجيين لتمويل مشاريع التنمية المحلية.
ففي خرق صارخ للقانون، وبدلاً من إيداع هذه المساعدات المالية في الحساب البنكي الرسمي للمجلس الجهوي باعتباره مؤسسة قانونية عمومية منتخبة تتمتع بالاستقلالية المادية، يطالب رئيس الجهة، محمد ولد الشيخ، بشكل مباشر بتحويل هذه الأموال الخارجية إلى حسابه البنكي الشخصي. هذا الإجراء غير القانوني يضع أموال الدعم الدولي تحت التصرف الفردي والمزاجي للرئيس وبقية أضلاع "مربع الفساد" المتحكم في المجلس، ليتصرفوا فيها دون حسيب أو رقيب، في تغييب تام لأبسط قواعد الشفافية والنزاهة المالية.
فضيحة المنح الدراسية: حين تقتل القبلية مستقبل الشباب
لم يقتصر الفشل على إهدار الموارد، بل امتد لتضييع الفرص القادمة من الخارج. يمتلك المجلس شراكات دولية مع جهة "وجدة" في المغرب و"جزر الكناري"، فضلاً عن وعود بتمويلات من دول الخليج.
وفي واحدة من أكثر الفضائح الإدارية إيلاماً، حصل المجلس مؤخراً على فرصة ذهبية من أحد الشركاء الدوليين لتمويل دراسة وتكوين 10 طلاب في الخارج. وبدلاً من اختيار هؤلاء الطلاب بناءً على الكفاءة والتفوق العلمي لخدمة الولاية، نشب صراع مرير بين أعضاء المجلس. كان السبب مخجلاً: كل عضو أراد أن يحتكر مقعداً لأحد أقاربه. والنتيجة؟ ضاعت المنح، وتبخرت الفرصة، ودفع شباب الولاية المتفوقون ثمن جشع المحاصصة القبلية والمحسوبية.
تشكيلة المجلس: رواتب مجانية لـ 17 عضواً
تتجلى قمة المأساة في الهيكل البشري لهذا المجلس، بدءاً من أعضائه السبعة عشر (17 عضواً) الذين تم اختيار جلهم على أساس "القبيلة والجهة" بعيداً عن أي معيار للكفاءة العلمية أو الإدارية. هؤلاء الأعضاء، إلى جانب أكثر من 20 موظفاً، يتقاضون رواتب مريحة ومجانية بالكامل، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الحضور إلى مقر المجلس أو ممارسة أي دور تشريعي أو تنموي يخدم الولاية.
"مربع الفساد الإداري": مهندسو الفشل والتسيب
لقد اختُطف المجلس الجهوي وصودرت صلاحياته وقراراته لصالح حلقة ضيقة باتت تُعرف بـ "مربع الفساد الإداري"، وهم المسؤولون الأوائل والمباشرون عن حالة الشلل، والترهل، والفساد المالي والإداري الذي تعيشه المؤسسة. ويتشكل هذا المربع من:
رئيس المجلس (محمد ولد الشيخ): المنحدر من منطقة خوارة، والذي غابت في عهده أي رؤية استراتيجية أو تنموية، وتحولت المؤسسة تحت إدارته إلى هيكل فارغ تُحوّل المساعدات الموجهة إليه إلى حسابه الشخصي.
الأمين العام (احمدانه مولود): المسؤول عن جمود العمل الإداري المؤسسي وغياب الشفافية في تسيير الملفات.
مسؤول السياحة والمسير (امبيرك فال): في ولاية تمتلك مقدرات سياحية واقتصادية هائلة تُركت للنسيان التام.
عضو رابع بارز (المرفقة صورته في التقرير): والذي يكمل أضلاع هذا المربع المتحكم في مفاصل المجلس والموجه لمساره نحو الهاوية.
أين والي اترارزة من هذا العبث؟
أمام هذا المشهد القاتم من الفساد التسييري والمالي، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه بقوة: أين الدور الرقابي لوالي اترارزة؟
يمنح القانون الموريتاني للوالي صلاحية واسعة في الرقابة على تسيير المجالس الجهوية، بوصفه الممثل الأول لرئيس الجمهورية في الولاية والمؤتمن على حقوق وأموال الشعب. إن تغاضي الوالي عن هذا الشلل التام، وصمته أمام هدر ميزانية بـ 400 مليون، وتحويل أموال المساعدات والدعم الخارجي إلى حساب شخصي لرئيس المجلس، يضعه أمام مسؤولية تاريخية وقانونية. هل تخلى الوالي عن دوره الرقابي لحساب توازنات سياسية؟ أم أن أروقة المجلس الجهوي باتت محصنة ضد سلطة القانون؟
إن المجلس الجهوي في اترارزة، بشكله الحالي، يمثل طعنة في صميم مشروع "اللامركزية" الذي أريد له أن يقرب التنمية من المواطن. ما لم تتحرك الجهات الوصية لفرض الرقابة الصارمة، وفتح تحقيق عاجل في مصير الميزانيات المهدرة، والفرص الضائعة، وفضيحة الحسابات الشخصية غير القانونية، سيبقى هذا المجلس مجرد بؤرة لتبديد المال العام، بينما ينتظر المواطن البسيط تنميةً وُئدت قبل أن تولد.
400 مليون في مهب الريح.. مجلس اترارزة الجهوي: غياب للتنمية، محاصصة قبلية، ورقابة غائبة!
بقلم: لمرابط سيد أحمد

