شهد الملف المعروف بـ «ملف تركة أهل العتيق» تطورًا قضائيًا مهمًا، بعد أن قرر قاضي التحقيق المكلف بالملف توجيه الاتهام إلى الموثق بداهية محمد سالم بتهمة تزوير محررات رسمية، على خلفية عدد من العقود والتصرفات المتعلقة بممتلكات المرحوم محمد العتيق.
ويأتي هذا التطور بعد التحقيق مع الموثق بشأن مجموعة من العقود محل القضية، وفي ظل خبرات فنية ووثائق وتصريحات يجري التحقيق بشأنها لتحديد مسؤولية مختلف المتدخلين في إعداد وتوثيق تلك التصرفات.
ومن هو الموثق بداهية؟
بحسب المعلومات المقدمة من ذوي المرحوم، فإن علاقة بداهية محمد سالم بمحمد العتيق تعود إلى سنوات طويلة؛ إذ سبق له أن عمل محاميًا للمرحوم قبل أن تنتهي العلاقة المهنية بينهما سنة 2012، على خلفية حادثة عُرفت آنذاك في مدينة نواذيبو.
ويقول ذوو المرحوم إن تلك الواقعة تعلقت بنقل بعض ممتلكات محمد العتيق إلى محمد يل عبد السلام، وهو الشخص الذي أصبح لاحقًا أحد المتهمين الرئيسيين في ملف التركة الحالي.
واللافت أن التحقيقات الحالية أعادت اسم بداهية إلى الواجهة بعد أكثر من عقد؛ إذ عاد، هذه المرة بصفته موثقًا، ليبرم عدة عقود بيع باسم المرحوم محمد العتيق في غيابه وأثناء وجوده خارج البلاد للعلاج خلال سنتي 2023 و2024، وهي العقود التي أصبحت لاحقًا من بين التصرفات محل التحقيق، قبل أن ينتهي قاضي التحقيق إلى توجيه الاتهام إلى الموثق بداهية محمد سالم بتهمة تزوير محررات رسمية.
كما كشفت التحقيقات، بحسب المعطيات المتداولة في الملف، أن بعض المعاملات لم تتوقف عند بداهية وحده، وإنما انتقلت عبره إلى موثقين آخرين، أحدهما في نواكشوط والآخر في مدينة أطار، لاستكمال توثيق بعض العقود والتصرفات.
وهو ما يطرح سؤالًا مهمًا حول المركز القانوني لبقية الموثقين الذين شاركوا في هذه العمليات، ومدى علم كل منهم بالطريقة التي أُعدت بها الوثائق والتوقيعات المنسوبة إلى المرحوم، خصوصًا في ضوء ما توصلت إليه التحقيقات والخبرات الفنية.
وهكذا لم يعد «ملف تركة أهل العتيق» مقتصرًا على نزاع حول تركة، بل أصبح تحقيقًا جنائيًا تتسع دائرته تدريجيًا لتشمل الأشخاص الذين شاركوا في إعداد أو تمرير أو توثيق التصرفات محل الشبهة.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ضرورة التعامل بأقصى درجات الحزم القانوني والمهني مع كل موثق يثبت تورطه في تزوير المحررات أو استغلال صفته للإضرار بممتلكات المواطنين أو نقلها والتصرف فيها بغير حق. فالموثق مؤتمن بحكم وظيفته على العقود والحقوق والأموال، وأي إخلال متعمد بهذه الأمانة لا يمس ضحية بعينها فحسب، وإنما يهدد الثقة العامة في التوثيق وفي حجية المحررات الرسمية نفسها.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى ألا يكون هناك أي تساهل مع مثل هذه الممارسات متى أثبتها القضاء، وأن تُفعّل بحق مرتكبيها المساءلة الجنائية والتأديبية والمهنية التي يقررها القانون، حمايةً لممتلكات الناس وردعًا لكل من قد يستغل مهنة التوثيق وسلطتها القانونية للمساهمة في تبديد أموال الغير أو الاستيلاء عليها.
فحماية هيبة مهنة التوثيق لا تكون بحماية من يسيء إليها، وإنما بمحاسبة من تثبت مسؤوليته وضمان بقاء المحرر الرسمي مصدرًا للثقة والأمان القانوني.
ويبقى الموثق بداهية محمد سالم، وكذلك كل شخص يخضع للتحقيق، متمتعًا بقرينة البراءة، ولا يعني توجيه الاتهام ثبوت الإدانة، التي تبقى من اختصاص القضاء بعد استكمال إجراءات التحقيق والمحاكمة.
غير أن التطورات الأخيرة تجعل الأنظار تتجه إلى الخطوات المقبلة في الملف، وإلى مدى اتساع التحقيق ليشمل جميع من شاركوا في العقود والتصرفات محل الشبهة، وتحديد مسؤولية كل متدخل وفق الأدلة والقانون وبالمعيار نفسه ودون استثناء أو محاباة.
انواذيبو اليوم

