لم يكن انقطاع الكهرباء عن نواكشوط، في الأيام الماضية، مجرد عطل فني عابر يمكن أن يمر في سجل الأعطال اليومية. فاحتراق محطتي التحويل الشرقية والغربية خلال أقل من 24 ساعة وضع منظومة الكهرباء في العاصمة أمام اختبار حقيقي، وكشف أن السؤال لا يتعلق فقط بـ لماذا اشتعلت النيران؟، وإنما أيضا بـ كيف تعاملت المنظومة معها؟ ولماذا كانت الأضرار بهذا الحجم؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
فالحريق الأول اندلع يوم الجمعة 21 أغسطس في محطة التحويل الفرعية الشرقية بجهد 33/15 كيلوفولت، عند الساعة 11:25 صباحا، وأثر على مناطق واسعة من نواكشوط الشمالية، قبل أن يندلع في اليوم التالي حريق ثان في محطة التحويل بنواكشوط الغربية، متسببا في اضطراب واسع شمل تفرغ زينة ولكصر والسبخة، فضلا عن خطوط تغذي مطار أم التونسي وميناء تانيت.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
لماذا لم يحسم الحريق الأول بسرعة؟
لقد حصلنا على معلومات مفادها أن المحطتين مزودتين بآليات إطفاء ذات فاعلية.
وإذا كانت المحطات الحيوية مجهزة بوسائل السلامة والإطفاء، وإذا كانت فرق صوملك والحماية المدنية موجودة وقادرة على التدخل، فلماذا امتدت النيران وألحقت أضرارا جسيمة بمحطة بهذه الأهمية؟
السؤال لا يعني بالضرورة اتهام أحد بالتقصير، لكنه سؤال مشروع في أي منشأة كهربائية استراتيجية.
هل كانت معدات الإطفاء موجودة بالفعل في المحطة؟
هل كانت صالحة للاستعمال في لحظة الحادث؟
هل كانت الكمية والقدرة مناسبتين لنوع الحريق؟
هل كانت هناك أنظمة إطفاء آلية، أم أن الأمر كان يعتمد أساسا على التدخل البشري؟
وهل كانت فرق الإطفاء قريبة بما يكفي للتدخل الفوري؟
المهم هنا أن صوملك قالت، في الحريق الثاني، إن فرقها الفنية كانت في عين المكان، لكنها كانت تنتظر فرق الإطفاء حتى تسيطر بشكل كامل على النيران وتأمن الموقع، قبل أن تبدأ تقييم الأضرار والإصلاحات.
وهذه المعلومة تفتح سؤالا أكثر دقة:
هل المشكلة كانت في غياب وسائل الإطفاء، أم في زمن الاستجابة، أم في طبيعة الحريق، أم في عدم ملاءمة الوسائل المتوفرة لنوع المعدات المحترقة؟
ثم جاء الحريق الثاني!
الأكثر إثارة للانتباه أن المدينة لم تكن قد استوعبت تداعيات الحريق الأول حتى اشتعلت محطة ثانية في اليوم التالي.
وهنا يصعب على المواطن أن يكتفي بتفسير "الخلل الفني" دون أن يسأل:
هل كانت المحطة الثانية تحت المراقبة المشددة بعد الحريق الأول؟
هل رفعت درجة الاستنفار في باقي محطات التحويل؟
هل أجريت معاينة عاجلة للمحطات الأخرى للتأكد من سلامة المحولات والقواطع والكابلات؟
هل كانت هناك تعليمات استثنائية لفرق المداومة؟
وإذا كانت هناك فرق مداومة تعمل على مدار الساعة، فما الذي كانت تراقبه تحديدا؟
إن وقوع حريقين في منشأتين مختلفتين خلال أقل من 24 ساعة لا يثبت، في حد ذاته، وجود علاقة بين الحادثين، ولا يثبت وجود تقصير بشري أو فني. لكنه بالتأكيد يجعل السؤال عن العلاقة المحتملة بينهما سؤالا فنيا مشروعا ينبغي أن تجيب عنه لجنة التحقيق، لا وسائل التواصل الاجتماعي.
أين كانت فرق المداومة؟
هذا من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تبحث فيها التحقيقات.
من كان في المحطة لحظة اندلاع الحريق؟
من كان مسؤول المداومة؟
متى تلقى الإنذار؟
متى وصلت فرق صوملك؟
متى وصلت الحماية المدنية؟
متى بدأت عملية الإطفاء الفعلية؟
ومتى تمت السيطرة الكاملة على الحريق؟
وهل توجد سجلات إلكترونية أو كاميرات أو أنظمة إنذار يمكن أن تحدد بدقة التسلسل الزمني للأحداث؟
هذه ليست أسئلة للبحث عن "كبش فداء"، وإنما أسئلة أساسية لتحديد ما إذا كان نظام المداومة والاستجابة للطوارئ يعمل وفقا للمعايير المفترضة.
ففي المنشآت التي تغذي مدينة بحجم نواكشوط، لا يكفي أن تكون هناك فرق فنية "معبأة". السؤال هو: هل كانت هذه الفرق مجهزة، ومدربة، وموزعة، ومخولة باتخاذ القرار في اللحظة المناسبة؟
ماذا عن الكادر البشري؟
كلما وقع عطل في منشأة حيوية، تميل النقاشات العامة إلى التركيز على المعدات، بينما قد يكون العنصر البشري جزءا من سلسلة الأسباب أو الحلول.
هل يخضع العاملون في المحطات لتدريبات منتظمة على الحرائق الكهربائية؟
هل توجد تدريبات محاكاة للحالات الطارئة؟
هل يعرف كل فرد في فريق المداومة دوره في الدقائق الأولى للحريق؟
هل توجد تعليمات مكتوبة وواضحة للتعامل مع احتراق المحولات والقواطع والكابلات؟
وهل يتم تقييم أداء الفرق بعد كل حادث؟
ثم سؤال أكثر حساسية:
هل عدد العاملين في المداومة يتناسب مع حجم المسؤولية وحساسية المنشأة؟
فالمسؤولية لا ينبغي أن تكون جماعية ومبهمة. وإذا ثبت وجود خطأ بشري، فيجب تحديده بدقة، كما يجب في المقابل عدم تحميل العاملين مسؤولية عطل سببه معدات معيبة أو تقادم أو خلل في التصميم أو الصيانة.
هل المشكلة في المعدات؟
وزير الطاقة والنفط كان قد قال بعد الحريق الأول إن الأسباب تعود إلى "عوامل خارجة عن الإرادة"، بحسب بيان الوزارة.
لكن هذا التفسير، حتى لو كان صحيحا، لا يغلق الملف؛ بل يفتح ملفا آخر:
ما هي هذه العوامل الخارجة عن الإرادة؟
هل هي صاعقة؟
هل هي زيادة مفاجئة في الأحمال؟
هل هي عطل في محول؟
هل هي قصر كهربائي؟
هل هي مشكلة في العوازل؟
هل هي حرارة مفرطة؟
هل هي خلل في الكابلات أو القواطع؟
هل هناك صيانة مؤجلة؟
هل المعدات قديمة أم حديثة؟
ومن المثير للاهتمام أن الوزير الأول المختار ولد اجاي أوضح أن المحطتين شيدتا في 2014 و2015، في حين تحدثت بعض النقاشات العامة عن معدات وتجهيزات أحدث. ومن هنا تصبح المطابقة بين تاريخ الإنشاء، وتاريخ تركيب المعدات، ومصدرها، وعمرها التشغيلي، وسجل صيانتها، من صميم التحقيق الفني.
وماذا عن الصفقات؟
هنا ينبغي الحذر الشديد.
ظهرت بالفعل اتهامات وتكهنات في الفضاء العام تربط الحرائق بصفقات المعدات وبمدى مطابقتها للمواصفات، لكن هذه الادعاءات ليست حقائق مثبتة حتى الآن.
ولهذا فإن الطريق الصحيح ليس إطلاق الاتهامات، وإنما طرح الأسئلة:
من اشترى المعدات؟
متى؟
بأي صفقة؟
ما الشركة المصنعة؟
ما المواصفات الفنية المعتمدة؟
هل خضعت المعدات للاستلام الفني؟
هل أجريت عليها اختبارات قبل التشغيل؟
ما سجل الأعطال السابقة؟
ومن قام بالصيانة؟
وهل توجد تقارير صيانة دورية؟
وهل سبق أن ظهرت مؤشرات على ارتفاع حرارة أو تحميل زائد أو أعطال متكررة؟
هذه الأسئلة مهمة لأن المسؤولية، إذا وجدت، قد لا تكون بالضرورة مسؤولية الشخص الموجود في المحطة لحظة الحريق؛ فقد تبدأ المسؤولية، إن ثبتت، من مرحلة التصميم أو الشراء أو التركيب أو الاستلام أو الصيانة أو التشغيل.
لجنة التحقيق أمام اختبار حقيقي
السلطات لم تتجاهل الملف؛ فقد أعلن الوزير الأول تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بأمر من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، برئاسة الوزير السابق كان عثمان، وتضم مسؤولين حكوميين وخبراء من مكاتب سويسرية وألمانية.
والأهم أن اختصاص اللجنة، بحسب ما أعلن رسميا، لا يقتصر على معرفة سبب الحريق، بل يشمل تحديد ما حدث وكيف وقع، والمسؤوليات المباشرة وغير المباشرة، وآلية الإخماد، ومدى فعالية الاستجابة، ومدى جاهزية الجهات المعنية لمواجهة مثل هذه الحوادث.
كما حدد الوزير الأول للجنة 30 يوما لتقديم تقريرها، على أن يتضمن الوقائع الثابتة والعوامل المحفزة للحرائق وحالات الإخلال المحتملة والوقائع التي يمكن أن تترتب عليها مسؤوليات وتقييم الآثار.
وهذه نقطة مهمة جدا.
فالتحقيق الجيد لا ينبغي أن ينتهي بجملة من قبيل: "حدث تماس كهربائي".
بل يجب أن يجيب عن السؤال الأهم:
لماذا حدث التماس؟ ولماذا لم تمنعه أنظمة الحماية؟ ولماذا لم تحصر النيران؟ ولماذا وصلت الأضرار إلى هذا الحجم؟ وهل كان بالإمكان منعها أو تقليلها؟
المسؤولية ليست بالضرورة شخصا واحدا
في مثل هذه الحوادث، من الخطأ اختزال المسؤولية في عامل أو مدير أو مسؤول واحد قبل اكتمال التحقيق.
هناك مسؤولية تصميم.
وهناك مسؤولية شراء.
وهناك مسؤولية تركيب واستلام.
وهناك مسؤولية صيانة.
وهناك مسؤولية تشغيل ومراقبة.
وهناك مسؤولية استجابة للطوارئ.
وقد تثبت التحقيقات أن الحريق حادث فني لا يد لأحد فيه، وقد تكشف تقصيرا في مرحلة من المراحل، وقد تكشف سلسلة من الأخطاء الصغيرة التي اجتمعت فأنتجت كارثة كبيرة.
ولهذا فإن المطلوب ليس "إدانة مسبقة"، بل سلسلة سببية واضحة.
من فعل ماذا؟
ومتى؟
وبأي صلاحية؟
وبأي معدات؟
وأين حدث الخلل؟
ومن كان يستطيع منع حدوثه ولم يفعل؟
السؤال الأكبر: ماذا لو تكرر الأمر؟
ربما يكون هذا أهم سؤال في الملف كله.
ماذا لو اشتعلت محطة ثالثة؟
هل تستطيع شبكة نواكشوط تحمل فقدان محطة أخرى؟
هل توجد محطات بديلة كافية؟
هل توجد مسارات تغذية احتياطية؟
هل نظام الربط الحلقي قادر فعلا على امتصاص صدمة بهذا الحجم؟
وهل توجد خطة طوارئ مكتوبة ومجربة؟
وكم تحتاج الدولة فعليا لاستعادة الخدمة إذا خرجت محطة استراتيجية من الخدمة بشكل كامل؟
إرسال دول أجنبية فرقا فنية وتجهيزات لدعم جهود استعادة الكهرباء يكشف أيضا أن الأزمة لم تكن بسيطة، وأن إصلاح شبكة بهذه الحساسية يحتاج إلى إمكانات وخبرات وتجهيزات متخصصة.
من حق المواطن أن يعرف
المواطن الموريتاني لا يطالب بالمستحيل.
هو لا يطلب معرفة أسرار تقنية قد تعرض الشبكة للخطر، ولا يريد محاكمة أحد قبل انتهاء التحقيق.
لكنه يريد إجابات واضحة عن أسئلة بسيطة ومشروعة:
لماذا احترقت المحطتان؟
لماذا حدث الحريق الثاني بعد الأول بأقل من 24 ساعة؟
هل كانت المحطتان مؤمنتين بوسائل إطفاء فعالة؟
متى وصلت فرق الإطفاء؟
هل كانت فرق المداومة موجودة؟
ما الذي فعلته في الدقائق الأولى؟
هل كانت هناك إنذارات سابقة؟
هل كانت المعدات مطابقة للمواصفات؟
متى كانت آخر صيانة؟
هل توجد صيانة مؤجلة؟
هل توجد مسؤولية بشرية؟
وإذا كانت هناك مسؤولية، فمن يتحملها وعلى أي أساس؟
والأهم:
ما الإجراءات التي ستتخذ حتى لا يجد سكان نواكشوط أنفسهم مرة أخرى في الظلام بسبب حادث يمكن الوقاية منه؟
احتراق المحطتين ليس مجرد قصة عن نار وكهرباء. إنه اختبار لمنظومة كاملة: المعدات، الصيانة، المراقبة، المداومة، الإطفاء، الإدارة، الصفقات، والرقابة.
وإذا كانت لجنة التحقيق قد بدأت عملها، فإن أفضل ما يمكن فعله الآن هو تركها تعمل بعيدا عن التسييس والتخمين، ثم نشر نتائجها بشفافية.
فالمطلوب في النهاية ليس العثور على مذنب بأي ثمن، وإنما الوصول إلى الحقيقة كاملة.
لأن الكهرباء قد تعود إلى المنازل، لكن السؤال سيظل مضيئا:
هل كان ما حدث مجرد حادث لا يمكن منعه، أم أن جزءا منه كان يمكن تفاديه لو قامت كل جهة بما كان يجب عليها أن تقوم به؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه التحقيق، لا البيانات والتبريرات وحدها.
احتراق المحطتين: أسئلة تطرح نفسها..
الاستاذ .. حي حسن

