الزاوية القادرية البودشيشية، تحت إشراف شيخها الحالي الحاج معاذ القادري بودشيش... منارة إشعاع ولوحة استقامة وصلاح

الزاوية القادرية البودشيشية، تحت إشراف شيخها الحالي الحاج معاذ القادري بودشيش... منارة إشعاع ولوحة استقامة وصلاح

 أ‌.    أحمد باب أحمد حم الأمين 
رئيس مجمع الشيخ سيدي المختار الكنتي الثقافي الإسلامي في موريتانيا

 

مما أكرمني الله عز وجل - من نعمه المتكاثرة التي لا تحصى ولا تعد - أنه منَّ عليَّ بزيارة الزاوية القادرية البودشيشية، في مقرها الواقع بجماعة مَداغْ من إقليم بركان التابع لجهة الشرق بالمملكة المغربية. وكانت زيارة تناغمت فيها بركة الزمان مع بركة المكان؛ فأما الزمان فذكرى مرور خمسة عشر قرناً على مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأما المكان فالرحاب الطاهرة لهذه الزاوية القادرية العتيقة، المتمسكة بالثوابت الدينية: "فقهِ مالك وعقدِ الأشعري وطريقة الجنيد السالك". ومن فضل الله عليَّ كذلك أني زرت أضرحة شيوخ هذه الزاوية بدءاً بالشيخ سيدي العباس بن سيدي المختار بودشيش؛ ثم ابنه وخليفته الشيخ سيدي حمزة بودشيش؛ ثم حفيده وخليفته الشيخ سيدي جمال الدين بودشيش؛ قدس الله أسرارهم وجعلنا واياهم فيما تولاه، ونفعنا ببركاتهم، وجعلنا وإياهم فيمن تولاه برحمته وارتضاه.

وقد منَّ الله علي أيضا بمقابلة شيخِ الزاوية القادرية البودشيشية، وارثِ سرِّ أسلافه الشيوخ الأعلام، فضيلةِ الشيخ الجليل سيدي معاذ القادري بودشيش - حفظه الله ورعاه - فلاحظت في مُحيّاه سكينة ووقارا، وتربية وأنوارا، فاستشعرت فيه امتدادًا للسند، واتصالًا بالمشرب، وتأصلًا في العلم والتربية، فعلمت أنه مدَد متصل وعلم متأصِّل، نسأل الله أن يعينه ولا يُعْيِيه وأن يثبت عزمه ويقينه، ويحقق صدقه وتمكينه، ويجري على يديه من الخير والإصلاح ما ينفع به البلاد والعباد.

ولكوني باحثا في مجال التصوف عموما، والطريقة القادرية خصوصاً، فقد كتبت هذه الصفحات الوجيزة، وهي نزر يسير قد يغني عن المطولات في إبراز بعض خصائص هذه الزاوية ومشايخها الأجلاء، رغبةً في مشاركتها مع القراء والباحثين والمهتمين، ومع محبي هذه الزاوية وفقرائها، لعلها تكون شهادة إنصاف، وإضاءةً على جانب من إشعاعها الروحي والعلمي والتربوي.

•     *تمهيد:* 
لا يخفى على أي متتبع للشأن الديني في المملكة المغربية أن منبع الزاوية القادرية البودشيشية كان ومازال - لله الحمد - منبعا روحيا وتربويًا صِرفا مؤسَّسا على السند المتصل إلى أفضل الأنبياء والرسل، كما أن هذه الزاوية شكلت منارة إشعاع، ودوحة صلاح، ومعلمة حضارية لتحصيل العلوم والعمل بها، اقتفاءً لآثار السلف الصالح من الأولياء والصالحين، وتشبثا بإمارة المؤمنين مجسدة في العرش العلوي الشريف.

لقد كان شيوخ هذه الزاوية سادةً صوفيين ربانيين، أسهموا بجدهم واجتهادهم في ترشيد الفكر الديني، والتعريف بالإسلام الوسطي في المغرب وخارجِه، مما كان له بالغ الأثر في هداية كثير من الناس وتعريفهم بجوهر الإسلام، إضافة إلى تجويدِ سلوك الكثير من المسلمين عن طريق ملْءِ الفراغ الروحي وإعمار القلوب باللهج بالذكر، وتزكية النفس بتطهيرها من الوساوس والأدران، لتتحقق بذلك مَرْتبَة الاستقامة، فيستقيم لسان المريد بالنطق بالحكمة، ويستقيم قلبه بصدق الهمة، وتستقيم نفسه بحسن الخدمة، وتستقيم روحه بتعظيم الحرمة، ويستقيم سره بالاشتغال بالمنعم دون أنواع النعمة.

وهذه المعاني مجتمعة تجعل من التصوف، في مفهوم هؤلاء الشيوخ، مشروعًا متكاملاً لبناء الإنسان، لا ينفصل فيه العلم عن العمل، ولا العبادة عن الأخلاق، ولا التربية الروحية عن خدمة المجتمع والوطن.

•     *مفهوم التصوف عند شيوخ الزاوية:* 
برهن شيوخ الزاوية القادرية البودشيشية على فكرهم الصوفي السني النقي من الشوائب والبدع والانحرافات؛ ويتجلى ذلك من خلال كلام الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش في كلمة له بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة والده الشيخ سيدي حمزة بودشيش رحمه الله. حيث قال: (فلهذا فقد أخطأ من اتهم التصوف بالتقوقع والتواكل والإنزواء ولبس المرقعات وبعبارة أدق فإن التصوف هو الإسلام الخالص، انه لب الإسلام إنه مقام الاحسان والتزكية والصدق والإخلاص في حميع الأعمال، إنه الدواء الناجع لجميع الامراض القلبية والنفسية المستعصية التي حار في علاجها الأطباء. فالصوفية هم السلف الصالح الحقيقيون إنهم خُدام الكتاب والسنة. فلقد سمعت من جدي مرات عديدة في مجالس شتى قائلا: إن التصوف :« وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا » وقال الوالد - رحمه الله  - كذلك قولته المشهورة: «التصوف أذواق وأشواق وأخلاق») ا.هـ

وهو تصور يختزل جوهر التجربة الصوفية في الجمع بين الاتباع والذوق، وبين الشريعة والحقيقة، وبين صفاء الباطن واستقامة الظاهر، بحيث لا يكون التصوف خروجًا عن الإسلام، وإنما يكون تعميقًا لمعانيه في النفس والسلوك.

•     *عمل شيوخ الزاوية اقتداءً واهتداءً* 
عُرف هؤلاء الشيوخ بالفناء في محبة النبي صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته رضي الله عنهم، والمبالغة في التمسك بسنته والذود عنها، حتى صار النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا بقوة في وجدانهم، مؤثرا في سلوكهم ومنهجهم. لا يفترون عن الصلاة عليه، والتغني بأمداحه، والتباهي بشمائله، آناء الليل وأطراف النهار.

وكدليل على الحضور القوي للنبي صلى الله عليه وسلم في شكل هذه الزاوية وجوهرها، ما نقلته عن الثقاة من مشايخنا الكنتيين الأعلام وسادة طريقتنا القادرية العظام، حيث استحضر أني قبل أكثر من عشر سنوات عزمت على زيارة جدنا الشيخ سيدي أعمر الشيخ المدفون بوادي درعة، قرب مدينة أقا من إقليم طاطا؛ فحَططت الرِّحال بمدينة گلميم، ونزلت في رحاب زاوية الولي الصالح  المجاهد الشيخ عابدين بن سيدي امحمد الكنتي بن الشيخ سيدي محمد الخليفة بن الشيخ سيدي المختار الكنتي، بعناية كريمة من شيخها الشيخ مولاي بن شيَّخْ بن المجاهد الشيخ عابدين - حفظه الله ورعاه – وهو رجل معروف بالشهامة والاستقامة  في الدين والمروءة، وله دراية ٌ كبيرة بالعلماء ومحبةٌ خالصة للصالحين والأولياء، وتقديرٌ جزيل للشرفاء آل البيت، ومعَزة كبرى لأهل الفضل والخير. وكان أمينا في نقل الوقائع والأحداث، بحيث لا يحدثك الا بما شاهده بنفسه أو أخذه من الثقاة العدول.

وذات مرة حدثني عن جوانب أثيرة من يوميات عمِّه الولي الصالح الشيخ سيدي بوبكر بن الشيخ عابدين الذين كان يُعد من المتمكنين في علوم الأذواق والأسرار، ومن الخواص الذين خصهم الله تعالى بمعرفة اسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.

والشيخ سيدي بوبكر هو شيخ الزاوية القادرية الكنتية المختارية الموجودة بقيادة عين أولاد جرار من إقليم تيزنيت، توفي رحمه الله تعالى سنة 1999م، وكانت للشيخ سيدي بوبكر علاقة محبة ومودة خاصة مع الجنرال المغربي المرحوم محمد بلعربي أيام كان يخدم في أگادير، وبعد ذلك أسندت له عدة مناصب كان آخرها إدارة المعهد الملكي للإدارة الترابية بالقنيطرة وذلك قبل أن يحال الى التقاعد سنة 2011، وقد توفي رحمه الله سنة 2023.

يقول الشيخ سيدي بوبكر: كان الضابط محمد بلعربي رجلا كريما متواضعا له أخلاق رفيعة ومحبٌّ لأهل الله وخاصته، وكان يُكِن لي التقدير والاحترام، وذات مرة عزَمني وألحَّ علي في الحضور إليه في مدينة الرباط، فلبيت الطلب وعندما دَلفت إلى قاعة الضيوف في بيته إذا هي غاصَّة بجمع غفير من أهل العلم والصلاح - كعادة مجالسه دائما - ومن ضمن هؤلاء الحاضرين الشيخ الجليل الشيخ ماء العينين بن الشيخ حسنَّه بن الشيخ ماء العينين – رحمه الله - ومنهم أيضا جنرالات وقادة آخرين أعرفهم. وكان ذلك في حدود سنة 1968م.

يضيف الشيخ سيدي بوبكر - سأل محمد بالعربي الحاضرين، أيكم يرى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فأخذ البعض يقول إنه يراه ويورد في ذلك قصصا وحكايات. والشيخ ماء العينين بن الشيخ حسنَّه لم يتكلم ببنت شفة. وكنت أجِلُّه وأوقرُّه، ومن شدة احترامي له أتحاشى الحديث في مجلسه تأدبا وإكراما له. وفي خِضَمِّ هذا الحديث حول رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، سَرح عقلي برهة من غير شعور، - ونظرا لكلام بعض الحاضرين واستطرادهم في الموضوع كثيرا - انتبهت وقلت بكل عفوية يا جماعة لا يُصدِّعنا أحدٌ بهذا بالكلام!!؛ إن الرسول الأعظم - صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لا يراه اليوم في المغرب إلا رجل واحد، ولا يراه إلا عند تكبيرة الإحرام في الصلاة!! يلوح من أمامه من جهة اليمين بشكل خاطف، فقال محمد بلعربي من هذا الرجل يا شيخ سيدي بوبكر؟ فقلت إنه الحاج سيدي العباس بن سيدي المختار بودشيش شيخ الزاوية البودشيشية الكائنة بمداغ، من إقليم بركان!.

فقال محمد بلعربي هذا ما كنا نبغي؛ فاتصل مباشرة بالقيادة في مدينة وِجدة عاصمة جهة الشرق، وربطته بقيادة بركان وطلب منها أن تحيل الخط لشيخ الزاوية البودشيشية بمداغ، فرفع الشيخ سماعة الهاتف قائلا مرحبا، محمد بلعربي فقال: بلعربي من أخبرك يا شيخ باسمي؟ فقال الشيخ انت الضابط محمد بلعربي وتوجد الآن في بيتك بالرباط وتلبس كذا وكذا ومعك في مجلسك الشيخ فلان والشيخ فلان والجنرال فلان والجنرال فلان ومعك الشيخ ماء العينين بن الشيخ حسَنَّه بن الشيخ ماء العينين والشيخ سيدي بوبكر بن الشيخ عابدين!!! و.و(...)، فقال له صدقت يا شيخ!!، فالشيخ سيدي بوبكر الذي ذكرتَ هو الذي دلنا عليكم، وأخبرنا بما لديكم من الخصوصية مع الله تعالى، فما ذا لديك عنه يا شيخ؟ فقال الشيخ: ما أعرفه عن الشيخ سيدي بوبكر، أني أراه منذ صغره وهو يلعب على ظهور الأولياء والصالحين. لكن قل له - جزاه الله خيرا – أننا نلتمس منه ألّا يُطلِع أحدا على أحوالنا هذه بعد الآن.

•     *خاتمة:* 
من خلال هذه القصة العجيبة يتضح - بحسب الرواية المنقولة وشهادة أصحابها – أن هذه الزاوية أسِّسَت على تقوًى من الله ورضوان، وأن شيوخها جعلوا من المحبة النبوية والاتباع والتربية الروحية أساسًا لمشروعهم الإصلاحي والتربوي، وأن صلتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم حاضرة في وجدانهم وسلوكهم ومدائحهم وأورادهم.
وهكذا تبدو الزاوية القادرية البودشيشية، في مسارها التاريخي والتربوي، امتدادًا لمشروع صوفي مغربي جمع بين الذكر والتزكية، والعلم والعمل، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم والتمسك بسنته، مع التشبث بثوابت المملكة المغربية وإمارة المؤمنين؛ فكانت بحق منارة إشعاع روحي، وفضاءً للتربية والصلاح، وجسرًا للتواصل الديني والحضاري داخل المغرب وخارجه.

ومن أجمل ما يلخص هذا المقام ما قاله الإمام البوصيري رحمه الله في بردته:
محمد سيد الكونين والثقليـ

        ـــن من عُرب ومن عجم

هو الحبيب الذي تُرجى شفاعته
        لكل هول من الأهوال مقتحَم

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
        وانسب إلى قدره ما شئت من عظم

فإن فضل رسول الله ليس له
        حد فيعرب عنه ناطق بفم

لا تنكر الوحي من رؤياه إن له
        قلبا إذا نامت العينان لم ينم

ومن تكن برسول الله نصرته
        إن تلقه الأسد في آجامها تجم

ولن ترى من ولي غير منتصر
        به ولا من عدو غير منقصم