محمد عبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي
[email protected]
هناك أزمات قد تكون وليدة ظروف قاهرة أو عوامل خارجة عن الإرادة. لكن عندما تتكرر المشكلات نفسها، سنة بعد أخرى، وفي القطاعات ذاتها، وعلى حساب الفئات نفسها من المواطنين، يصبح من الصعب الاستمرار في تفسيرها بمجرد سوء الحظ أو «القوة القاهرة».
في موريتانيا، يراقب المواطنون، بقلق وعجز، التدهور التدريجي للخدمات العمومية الأساسية. الصحة، والتعليم، والمياه، والكهرباء، والصرف الصحي، والطرق، والسدود، والمراعي؛ كلها قطاعات تتراكم فيها الصعوبات، في الوقت الذي ترصد فيه ميزانيات معتبرة باسم التنمية.
لم يعد السؤال الأساسي :
كم تنفق الدولة؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا : أين تذهب الأموال العمومية فعليا؟
وما النتائج التي تحققها هذه النفقات الضخمة.؟
تشكل الصفقات العمومية، في هذا السياق، واحدة من أكثر النقاط حساسية. فعندما يتم اقتناء تجهيزات باهظة الثمن وهي مستعملة أصلا، أو إدخال معدات ولوازم تثار بشأن جودتها أو مدة صلاحيتها تساؤلات إلى المرافق العمومية، فإن الأمر يتجاوز مجرد سوء التسيير، ليطرح أسئلة مشروعة حول شفافية الإجراءات، وآليات مراقبة الإنفاق، ومسؤولية الجهات التي تتخذ القرارات.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات. فأي شبهة تتعلق باختلاس أو تبديد المال العام يجب أن تكون موثقة ومدققة، وعندما تثبت صحتها، ينبغي أن تأخذ العدالة مجراها. غير أن هذا الحرص على الدقة لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للتغاضي عن الاختلالات التي يتم الإبلاغ عنها بصورة متكررة في تسيير الشأن العام.
ولعل أكثر ما يثير الاستياء هو ذلك التناقض الصارخ بين الإمكانات والموارد التي يتم الإعلان عنها، وبين الواقع الذي يعيشه المواطنون يوميا
تخصص مليارات الأوقية سنويا لمشاريع وبرامج مختلفة، بينما لا تزال أسر تبحث بشق الأنفس عن بضعة لترات من الماء ولايزال الفقر والمرض يزداد انتشارا في كل مكان
. تدشن منشآت وبنى تحتية، لكن بعضها يبدأ في التدهور بعد فترة قصيرة. وتقتنى تجهيزات، بينما تعاني المستشفيات أحيانا من نقص في أبسط الوسائل الضرورية.
وتعلن برامج لإصلاح التعليم، في حين لا تزال المدرسة العمومية تواجه اختلالات هيكلية عميقة.
وعندما يرفع المواطنون أصواتهم احتجاجا علي هذا الواقع المرير ، تأتيهم الإجابات في شكل عبارات إدارية جاهزة: «التراكمات»، «الإكراهات الفنية»، و«القوة القاهرة».
قد تكون هذه العبارات مبررة لتفسير مشكلة ظرفية ومحددة، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى عقيدة دائمة في إدارة الدولة.
فالدولة المسؤولة مطالبة بتقديم الحساب بالتفصيل.
عليها أن تفسر أسباب التأخر، وأن تنشر النتائج، وأن تحدد المسؤوليات، وأن تصحح الأخطاء. والأهم من ذلك أن تدرك أن المال العام لا يملكه الوزراء، ولا المديرون، ولا المسؤولون السياسيون؛ إنه ملك للمواطنين.
إن مكافحة الفساد الحقيقية لا تتمثل فقط في إطلاق الخطب والشعارات، أو في فتح بعض الملفات ضد الخصوم السياسيين. إنها تتطلب رقابة مستقلة، وقضاء قادرا على استكمال التحقيقات حتى النهاية، وصفقات عمومية شفافة، ونشرا منتظما لنتائج العمل الحكومي.
فالمواطن الذي يعاني من انقطاع المياه، أو يتألم داخل مستشفى يفتقر إلى التجهيزات، أو يدرس في مدرسة تعاني من نقص الوسائل، أو يعيش ساعات طويلة في الظلام، لا يريد أرقاما وإحصاءات بقدر ما يريد نتائج ملموسة.
وعندما تضيع الأموال العمومية بينما تبقى المشكلات قائمة، فإن القضية لم تعد مجرد قضية اقتصادية.
إنها قضية حكامة، وعدالة، ومسؤولية أمام الشعب.
فالجمهورية التي تحترم مواطنيها لا يمكنها أن تطلب منهم الانتظار إلى ما لا نهاية. بل عليها أن تقدم لهم الحساب، وأن تثبت بالأفعال أن المال العام وُضع لخدمة المواطن، لا لخدمة المصالح الخاصة.

