محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
كاتب صحفي ، انواكشوط
أخيرا، ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن التماسيح موجودة فعلا!
ظهر تمساح في مقاطعة تيارت، شوهد بأعين مستفيضة من الناس من بينها عدول !!
استنفرت له الحماية المدنية، وكأن البلاد كانت في انتظار دليل مادي يثبت ما كنا نقوله منذ سنوات:
البلد مليء بالتماسيح!
لكن، وللإنصاف عندنا معني، علينا أن نفرق بين نوعين من التماسيح.
تمساح تيارت مسكين، ارتكب خطأً واحدا :
ظهر في الشارع!
أما التماسيح التي يعرفها المواطن جيدا ، فتظهر في أماكن أكثر أمانا:
داخل الصفقات، والمشاريع، والمكاتب، والميزانيات، وفي دهاليز السياسة والاقتصاد والإدارة.
تمساح تيارت يمكن أن يراه المواطن بعينيه، ولذلك يمكن أن يخاف منه، وأن يطالب بالقبض عليه.
أما التماسيح الأخرى، فالمواطن لا يراها، لكنه يرى نتائجها كل يوم.
يراها عندما يقف طويلا أمام المخبزة، ثم يكتشف أن سعر الخبز ارتفع مرة أخرى.
يراها عندما يدخل الصيدلية باحثا عن دواء، فيخرج منهكا لأنه لا يستطيع شراءه.
يراها في فاتورة الكهرباء والماء،( رغم ندرتهما وانقطاعاتهما المتكررة )
وفي أسعار المواد الغذائية، وفي المدارس التي تحتاج إلى الكثير، والمستشفيات التي ينقصها الكثير، والطرق التي تتعثر فيها المشاريع أكثر مما تتحرك.
يراها عندما يبحث شاب عن وظيفة فلا يجد إلا أبوابا مغلقة، بينما يجد آخر الطريق مفتوحا لأن لديه قريبًا أو واسطة أو صاحب نفوذ.
هذه هي التماسيح التي تؤلم المواطن فعلا.
التماسيح التي خربت البلد بالمخدرات والأدوية والمواد الاستهلاكية المزورة.
يكفي أن ترتفع الأسعار، وتنخفض القدرة الشرائية، وتتراجع الخدمات، حتى يشعر المواطن أنه محاصر في مستنقع لا يعرف كيف يخرج منه.
ولهذا ربما جاء تمساح تيارت في الوقت غير المناسب !
فنحن منشغلون بالتماسيح الكبيرة، تلك التي اكلت الأخضر واليابس، ولا تظهر إلا عندما تكون هناك غنيمة كبيرة، والتي تعرف جيدا كيف تتقض علي الفريسة وتختفي عندما يبدأ الحساب.
نبحث عن التماسيح التي التهمت المشاريع، والصفقات، والميزانيات، والفرص.
ثم يظهر لنا تمساح صغير با ئس في تيارت!
تمساح لا يملك حسابات مصرفية في الداخل والخارج.
ولا شركة، ولا صفقة عمومية، ولا نفوذا سياسيا، ولا يستطيع أن يرفع سعر شيء أو يخفض راتب أحد.ولايستخدم الدين للإستغباء والإستحمار الإجتماعي!!
ومع ذلك، استحق كل هذا الاستنفار.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل:
تمساح واحد ظهر في الشارع، فاستنفرت له الدولة.
أما التماسيح التي تختبئ وراء المكاتب، فتحتاج الدولة إلى سنوات كي تكتشفها!
والأغرب أن المواطن نفسه لم يعد يعرف أي التماسيح أخطر.
هل يخاف من تمساح يخرج من الماء، أم من تمساح يخرج له من المكاتب والأسواق.؟!
هل يخشى أن يلتهمه تمساح حقيقي، أم أن تلتهم الأسعار والضرائب والمكوس ، والنهب وسوء التسيير.؟
هل يخاف من تمساح تيارت
أم يخاف على مستقبل أبنائه من تماسيح الفساد؟
تمساح تيارت، في النهاية، قد يكون محظوظا.
إذا قبضوا عليه، سيجد مكانا يأويه، وربما طعاما منتظما، وربما اهتمام لم يحظ به كثير من المواطنين. فالقوانين الدولة تضمن له ذالك .!!
أما المواطن، فليس له قفص يحميه من الغلاء، ولا فريق حماية يرافقه في طوابير المستشفى، ولا جهة تستنفر عندما يلتهمه التضخم وسوء الأحوال العامة.
لذلك لا بأس أن نقبض على تمساح تيارت.
لكن الأهم أن نسأل: متى سنبدأ في تجفيف المستنقعات التي تتكاثر فيها تماسيح الفساد؟ فالبيئة العامة مواتية لنموها وتكاثرها!!
فالمشكلة ليست في التمساح الذي ظهر فجأة أمام الناس.
المشكلة في التماسيح التي اعتادت أن تعيش بيننا، وأن تتغذى على المال العام، ثم تختفي بهدوء، بينما يظل المواطن واقفا في الطابور، يدفع أكثر، ويأخذ أقل، ويطلب منه في كل مرة أن يتحلى بالصبر.
تمساح تيارت خرج من المستنقع وظهر للناس.
أما تماسيح الفساد، فما زالت تفضل المستنقع… لأن الضوء ليس من مصلحتها!!

