مصر وطن عظيم لا بعظمة أرضه وتاريخه وحضارته فقط وإنما بعظمة شعبه الذي ظل عبر آلاف السنين يحمل في وجدانه معاني النخوة والشهامة والمروءة والرحمة والتسامح والقدرة على الوقوف في الشدائد .
وكأن في تكوين المصري شيئا لا ينكسر مهما اشتدت عليه الأيام ولكن آفتنا الكبرى ليست في الوطن ولا في الشعب وإنما في طبيعتنا البشرية الناقصة فنحن كثيرا ما نرفع الإنسان فوق قدره ثم نطالبه بعد ذلك بأن يظل ملاكا لا يخطئ فنصنع بأيدينا المسافة بين الحاكم والمحكوم وبين المسؤول والمواطن وبين الإنسان وأصله الذي خرج منه
نحن نخطئ حين نؤله العظماء فالإنسان مهما علا شأنه يظل إنسانا ومهما امتلك من سلطة أو مكانة أو علم أو نفوذ فإنه لا يفقد ضعفه البشري ولا يصبح معصوما من الخطأ وحين نضع المسؤول في مكان فوق النقد نكون قد بدأنا صناعة المشكلة لأننا نمنحه بمرور الوقت شعورا بأنه لا يحتاج إلى أن يسمع إلا صوته ولا يرى إلا رؤيته ولا يقبل إلا ما يوافق رأيه
وهنا تتحول السلطة من تكليف إلى امتياز ومن خدمة إلى سيطرة ومن مسؤولية أمام الناس إلى شعور بالتفوق عليهم
والأخطر من ذلك أن هذا التحول قد يصيب الإنسان الذي جاء من بيت مصري بسيط يحمل كل صفات أهله الطيبة النقية الرحيمة المتسامحة ثم يجد نفسه بعد وصوله إلى موقع المسؤولية محاطا بمظاهر السلطة والألقاب والمجاملات فينسى أحيانا أنه واحد من هؤلاء الناس وأن الذين يقفون أمامه اليوم هم أهله وجيرانه وأبناء وطنه
قد يبدأ الأمر من أصغر موقع في الدولة من شيخ الغفر إلى أعلى قمة في هرم المسؤولية حتى امام الجامع وبابا الكنيسة فكلما غابت المحاسبة وارتفع منسوب التقديس أصبح المسؤول أكثر ابتعادا عن الناس ليس لأن الناس تغيروا وإنما لأن الصورة التي صنعوها له تغيرت
نحن الذين نقول للمسؤول دائما أنت العظيم وأنت الذي لا يخطئ وأنت الذي لا يناقش وأنت الذي لا يسأل ثم نغضب حين يتحول بعض المسؤولين إلى أشخاص لا يسمعون إلا صوتهم
نحن الذين صنعنا جزءا من هذه الأزمة
المجتمع الصحي لا يصنع آلهة من البشر وإنما يصنع مسؤولين يعرفون أن المنصب عابر وأن الإنسان باق وأن الكرسي مهما طال الجلوس عليه سوف يأتي يوم ويغادره صاحبه ولهذا فإن احترام المسؤول لا يعني الخضوع له والنقد لا يعني كراهية الوطن والمطالبة بالحق لا تعني التمرد والاختلاف في الرأي لا يعني العداء بل إن أخطر ما يمكن أن نفعله في حق وطننا أن نجعل حب الوطن مرادفا للصمت وأن نجعل طاعة المسؤول مرادفا لطاعة الوطن
الوطن أكبر من كل الأشخاص ومصر أكبر من أي منصب وأبقى من كل مسؤول وأعظم من كل اسم
المصري الذي نشأ على الشهامة والمروءة لا يحتاج إلى أن يفقد هذه الصفات عندما يصل إلى موقع المسؤولية بل يحتاج إلى أن تظهر فيه بصورة أكبر لأن السلطة الحقيقية ليست أن تجعل الناس يخافون منك وإنما أن تجعلهم يشعرون بالأمان في وجودك المسؤول العظيم ليس من يملك القدرة على إصدار الأوامر وإنما من يملك القدرة على سماع شكوى مواطن بسيط دون أن يشعره بأنه أقل منه
وليس العظيم من يحيط نفسه بمن يقولون له نعم وإنما من يسمح لمن حوله بأن يقولوا له لا عندما يكون في قراره خطأ وليست هيبة الدولة في أن يخاف المواطن من موظف وإنما في أن يثق المواطن بأن حقه محفوظ وأن كرامته مصونة وأن المسؤول مهما علا منصبه خادم لهذا الوطن وليس مالكا له ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ منا جميعا من المواطن الذي يتوقف عن صناعة الأصنام البشرية ومن المسؤول الذي يتذكر أصله ومن المجتمع الذي يحترم المنصب دون أن يقدسه ومن الدولة التي تجعل القانون فوق الأشخاص ومن ثقافة عامة تؤمن بأن الإنسان يمكن أن يكون عظيما دون أن يكون معصوما
مصر لا تحتاج إلى آلهة من البشر مصر تحتاج إلى بشر عظماء يتذكرون دائما أنهم أبناء هذا الشعب وأن السلطة أمانة وأن المنصب تكليف وأن المواطن ليس رقما في دفتر ولا صوتا مزعجا في طابور ولا شخصا ينتظر الإذن لكي يحصل على حقه
إن أعظم ما يمكن أن نفعله لوطن عظيم كشعب أعظم هو أن نعيد الإنسان إلى حجمه الطبيعي نحترم العظيم ولكن لا نؤلهه نثق في المسؤول ولكن لا نعفيه من الحساب نختلف معه ولكن لا نهينه ننتقد القرار ولكن لا نهدم الدولة ونقول للحاكم والمسؤول في كل موقع نحن نريدك كما خرجت من بيننا إنسانا مصريا يحمل قلب أهله وشهامتهم ومروءتهم ورحمتهم وتسامحهم
لا نريد أن تغيرك السلطة ولا نريد أن يجعلك المنصب تنسى أنك واحد منا فمصر لم تكن عظيمة لأن فيها حكاما عظماء وإنما كانت عظيمة لأن فيها شعبا ظل قادرا على أن يصنع من المحن تاريخا ومن الألم أملا ومن الإنسان البسيط قيمة لا تسقط أمام سلطة ولا منصب نحن المخطئون حين نرفع البشر فوق مقامهم ثم نلومهم عندما يصدقون أنهم فوق البشر
مجدى طنطاوى يكتب ... مصر وطن عظيم وشعبه أعظم

