لا تُقاس قيمة التعديلات الحكومية بعدد الوزراء الذين يغادرون مناصبهم، ولا بالأسماء التي تحل محلهم، وإنما بما تتيحه من فرص لتصحيح الاختلالات، وتجديد أساليب التسيير، وإعادة ترتيب الأولويات، وإعطاء المؤسسات نفسا جديدا ينعكس على أدائها وقدرتها على خدمة المواطنين.
ومن هذا المنطلق، ينظر موقع «الموريتاني» بتقدير وتفاؤل إلى التعديل الحكومي الذي أجراه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني في العاشر من أكتوبر الجاري، وجدد بموجبه الثقة في الوزير الأول المختار ولد أجاي، مع إدخال تغييرات على عدد من الحقائب الوزارية، نأمل أن تؤسس لمرحلة أكثر فاعلية وانسجاما في أداء الجهاز التنفيذي.
ولعل من أبرز التعيينات التي تستحق التوقف عندها إسناد حقيبة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، ومهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، إلى الأستاذ محمد ولد ببانه، الذي يدخل التشكيلة الحكومية للمرة الأولى، محملا بتجربة قانونية وسياسية وبرلمانية وإدارية ودبلوماسية متعددة الأبعاد، راكم خلالها معرفة واسعة بمؤسسات الدولة وآليات عملها، وخبرة معتبرة في إدارة العلاقات والتعامل مع مختلف الفاعلين.
وليس ولد ببانه وافدا جديدا إلى الشأن العام، ولا غريبا عن تعقيدات السياسة وتوازناتها؛ فقد عرفته الساحة الوطنية محاميا وسياسيا وبرلمانيا ودبلوماسيا، كما عرفته منابر النقاش العام صاحب حضور بارز في السجالات السياسية والإعلامية.
ومن الإنصاف، ونحن نستعرض مسيرته، أن نستحضر حقيقة ذات دلالة خاصة، وهي أن بداياته البرلمانية لم تكن من مقاعد الموالاة، وإنما من صفوف المعارضة؛ إذ دخل الجمعية الوطنية للمرة الأولى سنة 2006 نائبا عن مقاطعة باركيول، منتخبا باسم حزب تكتل القوى الديمقراطية المعارض، الذي كان يتزعمه أحمد ولد داداه، في مرحلة اتسمت بحراك سياسي واسع أعقب التحولات التي شهدتها موريتانيا منذ أغسطس 2005.
وقد برز خلال تلك المرحلة بمداخلاته تحت قبة البرلمان، وحضوره في البرامج الحوارية على القنوات التلفزيونية الدولية والمحلية، حيث أظهر، في تقديرنا، صرامة في الدفاع عن مواقفه، ووضوحا في عرض أفكاره، وقدرة على بناء الحجة وإدارة السجال، فضلا عن حنكة سياسية وموهبة إعلامية لافتتين.
ولم يكن ذلك الحضور مجرد امتداد لنشاطه البرلماني، بل أتاح له احتكاكا مباشرا بالإعلام ومنابره، ومعرفة بطبيعة العمل الصحفي، ومتطلبات مخاطبة الرأي العام، وأهمية الكلمة في تفسير الأحداث وتشكيل المواقف؛ وهي خبرة تكتسب اليوم قيمة إضافية وهو يتولى مسؤولية الاتصال الحكومي والإشراف على قطاع الصحافة.
ثم اتسعت تجربته المؤسسية، فتولى مسؤوليات برلمانية بارزة، من بينها عضوية مكتب الجمعية الوطنية ورئاسة لجنة العدل والداخلية والدفاع، قبل انتقاله إلى السلك الدبلوماسي، حيث شغل منصب القنصل العام لموريتانيا في المملكة العربية السعودية، ثم سفيرا لدى ليبيا، ولدى دولة قطر.
وهكذا جمع ولد ببانه بين ممارسة المعارضة والعمل المؤسسي، وبين المحاماة والتشريع، وبين إدارة الخلاف السياسي وفن التفاوض الدبلوماسي، فضلا عن الاحتكاك المباشر بالإعلام والرأي العام.
ولا نستعرض هذه المحطات لمجرد تعداد المناصب، وإنما لأنها تفسر جانبا مهما من الآمال المعقودة عليه؛ فالمسؤول الذي خبر السلطة والمعارضة، ومارس الجدل السياسي من داخل البرلمان وخارجه، يفترض أن يكون أكثر إدراكا لأن الاختلاف ليس خصومة، وأن النقد ليس عداوة، وأن قوة المؤسسات لا تتحقق بإقصاء الأصوات المخالفة، وإنما باستيعابها والتعامل معها في إطار القانون والاحترام المتبادل.
وهنا تحديدا تكمن أهمية التجربة التي يحملها الوزير الجديد، وحجم المسؤولية التي تنتظره.
لقد عرف المشهد الإعلامي الوطني، خلال مراحل سابقة، مظاهر من الانحياز والاستقطاب والتجاذب، وتباينا في المواقف والممارسات بشأن علاقة الإدارة بالصحافة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم القطاع وتسيير شؤونه.
وقد أفرزت تلك الأوضاع أجواء لم تخدم مصلحة الدولة ولا الصحافة، ولم تساعد على ترسيخ فضاء إعلامي تعددي ومستقل ومهني، تسوده الثقة وتكافؤ الفرص، وتحكمه القوانين والمعايير الموضوعية، بعيدا عن الاصطفافات والحسابات الضيقة.
فلا تستطيع الصحافة أداء رسالتها كاملة في مناخ تطغى عليه الخصومات والحساسيات، ولا تستطيع السلطة العمومية بناء علاقة مستقرة مع الإعلام ما لم تعترف بتعدديته واستقلاليته وحقه المشروع في الاختلاف.
ومن هنا، فإن الرهان على محمد ولد ببانه يتجاوز مجرد حسن إدارة وزارة أو تسيير ملفاتها اليومية، إلى قدرته على إرساء مقاربة جديدة في علاقة الدولة بصحافتها، تقوم على الانفتاح والتشاور والإنصاف، وتعيد الاعتبار إلى المهنية والكفاءة والشراكة المؤسسية.
إن ما ننتظره من الوزير الجديد هو أن يكون حجر الزاوية في بناء الثقة بين مختلف الفرقاء، لا طرفا في خلافاتهم؛ وأن يتعامل مع الصحفيين ومؤسساتهم باعتبارهم شركاء في خدمة المصلحة العامة، لا جماعات تُصنَّف بحسب درجة قربها من الإدارة أو بعدها عنها.
فوزير الاتصال ليس وزيرا لفئة من الصحفيين دون أخرى، ولا ممثلا لاتجاه إعلامي في مواجهة اتجاه آخر، وإنما هو المسؤول عن سياسة عمومية يفترض أن تخدم القطاع بمختلف مكوناته، وتوفر الظروف الملائمة لتطوره واستقلاله وازدهاره.
وهذه ليست مجرد مسألة تتعلق بأسلوب الوزير في التعامل مع الأشخاص، بل هي في جوهرها مسألة تتصل بمكانة المؤسسات، وعدالة السياسات العمومية، واحترام مبدأ المساواة بين المواطنين والفاعلين المهنيين.
ولذلك، فإن إعادة الوهج إلى قطاع الاتصال لا تتحقق بالخطابات وحدها، وإنما تستدعي عملا جادا على ملفات طال انتظار إصلاحها؛ وفي مقدمتها تعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، وتحسين الظروف المهنية والاجتماعية للصحفيين، وتطوير منظومة الدعم العمومي للصحافة على أسس شفافة ومنصفة، والارتقاء بالتكوين والتأهيل، وإقامة علاقات مؤسسية سليمة مع الهيئات المهنية ومختلف الفاعلين في القطاع.
وإذا كانت هذه الملفات تمثل جانبا أساسيا من المسؤولية الملقاة على عاتق الوزير، فإن مهامه الأخرى في مجالات الثقافة والفنون والعلاقات مع البرلمان تفرض عليه رؤية جامعة تستوعب التنوع، وتستثمر الطاقات، وتفسح المجال أمام المبدعين والفاعلين الثقافيين، وتعلي من شأن الكفاءة والاستحقاق، بعيدا عن الولاءات والحسابات الضيقة.
أما مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، فتمنحه موقعا محوريا في بناء جسور الثقة بين السلطة التنفيذية والرأي العام؛ وهي مسؤولية تتطلب تقديم المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، وتفسير القرارات والسياسات الحكومية بلغة واضحة ومسؤولة، والإجابة عن التساؤلات المشروعة دون تهرب أو مواربة.
فجودة الاتصال الحكومي لا تُقاس بكثرة التصريحات والمؤتمرات الصحفية، وإنما بمصداقية الخطاب، ووضوح المعلومة، واحترام حق المواطنين في معرفة ما يجري باسمهم وما يُتخذ من قرارات تمس حياتهم ومصالحهم.
ونعتقد أن ما راكمه ولد ببانه من خبرات سياسية وقانونية وإعلامية ودبلوماسية يمنحه أدوات مهمة لمواجهة هذه التحديات، ويجعله مؤهلا لفتح حوار جاد مع مختلف مكونات القطاع، شرط أن تتحول تلك الخبرات إلى ممارسة عادلة، وأن تجد النوايا الحسنة ترجمتها في سياسات ملموسة ونتائج قابلة للتقييم.
وفي هذا السياق، أدى مدير موقع «الموريتاني» زيارة إلى أخيه وصديقه الأستاذ محمد ولد ببانه، لتهنئته بمناسبة تعيينه في مهامه الجديدة، والتعبير عن تمنياته له بالتوفيق في تحمل هذه المسؤولية الوطنية وما تفرضه من تحديات وتطلعات.
وهي زيارة تجمع بين واجب التهنئة وما تقتضيه روابط الأخوة والصداقة من مودة وتقدير، دون أن تتعارض مع استقلالية الموقع وخطه التحريري المهني، القائم على احترام المؤسسات، وتثمين الإنجازات، وممارسة النقد الموضوعي والمسؤول كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك.
فنحن نؤمن بأن العلاقات الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى اصطفافات تحريرية، وأن الاختلاف في الرأي لا يجوز أن يكون سببا للقطيعة أو الخصومة. كما نؤمن بأن الصحافة المهنية تستطيع أن تجمع بين الاحترام الشخصي للمسؤول والاستقلال في تقييم أدائه؛ فالصداقة لا تعني المجاملة على حساب الحقيقة، والنقد لا يلغي التقدير، والإنصاف لا يتناقض مع الاختلاف.
ومن هذا المنظور، فإن تفاؤلنا بتولي محمد ولد ببانه مسؤولية هذا القطاع ليس حكما مسبقا بنجاح تجربته، وإنما ثقة في قدرته على توظيف خبراته في إحداث تغيير إيجابي، وإيمان بأن المسؤولية العمومية تتيح لأصحابها فرصة لإثبات كفاءتهم وخدمة مجتمعهم.
فالخبرة تمنح صاحبها أدوات النجاح، لكنها لا تغنيه عن امتحان الممارسة؛ والتعيين يمنحه سلطة القرار، لكن حسن استخدام تلك السلطة هو الذي يكسبه ثقة الناس واحترامهم.
ولعل ما يعزز آمالنا في الوزير الجديد ما يعلقه عليه إعلاميون من ثقة، استنادا إلى تجربته الواسعة، ومعرفتهم بقدرته على الحوار وإدارة الاختلاف، وإدراكه لطبيعة العلاقات المعقدة التي تجمع الصحافة بالسلطة والمعارضة والرأي العام.
وهي ثقة تضع على عاتقه مسؤولية مضاعفة؛ إذ لا يكفي أن يحافظ على تقدير من يعرفونه أو يؤيدونه، بل ينبغي أن يثبت لمن يختلفون معه أيضا أن الوزارة تتسع لهم، وأن حقوقهم ومكانتهم المهنية لا تتأثر بمواقفهم السياسية أو خياراتهم التحريرية.
إن أمام محمد ولد ببانه فرصة حقيقية لطي صفحات من الحساسيات والتجاذبات التي أثقلت علاقة الوزارة بالصحافة، وفتح مرحلة جديدة يكون فيها القانون مرجعا، والكفاءة معيارا، والمصلحة العامة غاية؛ فلا امتياز لقرب شخصي، ولا إقصاء بسبب موقف سياسي، ولا تمييز على أساس جهوي أو قبلي، ولا تصنيف للصحفيين إلى أنصار وخصوم.
وليس المطلوب من الوزير أن يلغي الاختلافات بين أهل القطاع، فذلك أمر لا يستقيم مع طبيعة الصحافة ورسالتها، وإنما أن يجعل من وزارته مرجعية عادلة تحمي حق الجميع في الاختلاف، وتتعامل معهم وفق قواعد واضحة لا تتغير بتغير الأشخاص والمواقف.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يجمع الوزير حوله أكبر عدد من المؤيدين، بل أن يكتسب احترام المختلفين معه، وأن يشعر الصحفي الذي ينتقده بأنه لا يقل حقوقا ولا مكانة عن الصحفي الذي يمدحه.
ذلك هو المعيار الذي ينبغي أن يقاس به أثر المرحلة المقبلة، وتلك هي الروح التي نأمل أن تحكم علاقة الدولة بصحافتها ومثقفيها ومبدعيها، وأن تتجسد في ممارسات يومية، لا أن تبقى مجرد وعود وتصريحات.
وإذ يجدد موقع «الموريتاني» تمنياته بالتوفيق للوزير الأول وأعضاء الحكومة الجديدة، فإنه يخص الأستاذ محمد ولد ببانه بتهنئة صادقة، مقرونة بأمل كبير في أن يكون عهده فرصة للمصالحة المهنية، والانفتاح المؤسسي، واستعادة الثقة بين مختلف مكونات القطاع.
ويبقى الرهان الأكبر أن يجد فيه الإعلاميون، على اختلاف مشاربهم ومواقفهم، وزيرا للجميع؛ يستمع إلى الجميع، وينصف الجميع، ويقف على مسافة واحدة من الجميع، فلا يخلط بين علاقاته الشخصية ومسؤولياته العامة، ولا يجعل من موافقته أو معارضته شرطا لنيل حق أو الحصول على فرصة.
ولعل أعظم ما يمكن أن يتركه محمد ولد ببانه من أثر في هذا القطاع ليس عدد القرارات التي سيوقعها، ولا حجم الإنجازات التي ستُسجَّل باسمه، وإنما أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الإدارة والصحافة، يشعر فيها كل إعلامي بأن كرامته المهنية مصونة، وحقوقه مكفولة، وصوته مسموع، مهما كان موقفه من الحكومة أو من الوزير نفسه.
وحين يغادر الصحفي المؤيد والصحفي المعارض مكتب الوزير بالشعور نفسه بأنهما التقيا مسؤولا عادلا، وحين لا يخشى أحد أن يفقد حقا لأنه انتقد، ولا يتوقع آخر أن ينال امتيازا لأنه امتدح، يكون محمد ولد ببانه قد حقق إنجازا يتجاوز عمره في المنصب، وأعاد إلى قطاع الاتصال ما هو أثمن من الوهج؛ ألا وهو الثقة في عدالة المؤسسة، وهيبتها، وقدرتها على أن تكون بيتا مشتركا يتسع للجميع.

