ليست قيمة المفكر فيما يكتبه من مؤلفات أو يطرحه من أفكار فحسب، وإنما فيما يحمله مشروعه الفكري من رؤية قادرة على فتح آفاق جديدة أمام المجتمع، وإعادة طرح الأسئلة الجوهرية التي تتعلق بمستقبل الإنسان وكرامته وحقوقه وعلاقته بالدين والحياة. ومن هذا المنطلق يأتي المشروع الفكري للمفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي جعل من العودة إلى القرآن الكريم منطلقًا لإصلاح الفكر الديني، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وترسيخ قيم الرحمة والعدل والحرية والسلام.
إن جوهر هذا المشروع يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الإسلام كما أراده الله رسالة رحمة وعدل وحرية وسلام، وأن القرآن الكريم هو المرجعية التي ينبغي أن تُفهم من خلالها تعاليم الدين ومقاصده، بعيدًا عن التأويلات التي أخرجت بعض المفاهيم عن مقاصدها الإنسانية، وربطت الدين بممارسات لا تعبر عن جوهر رسالته.
ومن هنا يطرح الشرفاء الحمادي قضية بالغة الأهمية، وهي ضرورة التمييز بين النص القرآني الثابت والاجتهادات والتفسيرات البشرية التي تراكمت عبر العصور، وألا تتحول هذه الاجتهادات إلى نصوص مقدسة تُفرض على الناس دون مراجعة أو تدبر. فالعقل مطالب بالتفكر، والإنسان مسؤول عن فهم خطاب الله، والاحتكام إلى القرآن الكريم في تصحيح ما اختلط من مفاهيم.
ولا يتوقف المشروع عند حدود إصلاح الخطاب الديني، بل يمتد إلى قضية بناء الإنسان وإصلاح المجتمع والدولة. فالدولة القوية، وفق هذه الرؤية، ليست مجرد مؤسسات ودساتير وقوانين، وإنما كيان يقوم على منظومة متكاملة من القيم، في مقدمتها العدل والمساواة والشورى واحترام الحقوق والحريات وصيانة كرامة الإنسان.
فالسلطة ليست غاية في ذاتها، وإنما مسؤولية لخدمة المجتمع، والحكم لا يستقيم دون العدل، ولا تتحقق قوة الدولة إذا غابت العدالة عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم. كما أن بناء الأوطان لا يبدأ من تشييد المؤسسات وحدها، بل يبدأ ببناء الإنسان الواعي بحقوقه وواجباته، والمدرك لمسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.
ومن القضايا المحورية في فكر الشرفاء الحمادي أيضًا حرية الاعتقاد، ورفض الإكراه في الدين، وترسيخ مبدأ أن الإيمان لا يكون بالإجبار، وإنما بالاقتناع والاختيار. وهي رؤية تفتح المجال أمام ثقافة التعايش واحترام التنوع الديني والفكري، وتؤكد أن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع والكراهية، بل فرصة للتعارف والتعاون على الخير.
كما يمنح المشروع أهمية خاصة لقيم الرحمة والتسامح والسلام، باعتبارها قيمًا قرآنية لا تنفصل عن العدل والحرية.
المشروع الفكري للمفكر العربي علي الشرفاء الحمادي.. من تصحيح المفاهيم إلى بناء الإنسان

