دراسة تحليلية.. مؤسسة رسالة السلام العالمية عضواً في اليونسكو: قراءة في دلالات الاعتراف الدولي بالفكر العربي المستنير

دراسة تحليلية.. مؤسسة رسالة السلام العالمية عضواً في اليونسكو: قراءة في دلالات الاعتراف الدولي بالفكر العربي المستنير

إعداد : د. معتز صلاح الدين
مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط  نورث كارولينا

مقدمة:
لحظة فارقة لا تمرّ مرور الكرام
في عالمٍ تتصاعد فيه موجات التطرف والكراهية والصراعات الهوياتية، وتتنافس فيه المنظومات الفكرية على ملء الفراغ الذي تركته تصدّعات الحداثة، يصبح  إنضمام مؤسسة فكرية عربية إلى منظومة اليونسكو حدثاً يتجاوز بكثير بُعده الإجرائي والتنظيمي. إنه أولاً وأخيراً شهادة دولية رفيعة المستوى بأن ثمة فكراً عربياً قادراً على حمل مشروع إنساني عالمي، لا على استيراد المفاهيم فحسب، بل على تصديرها. ولذلك يجب التوقف عند خبر انضمام مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي أسّسها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، إلى اليونسكو بوصفها منظمة غير حكومية معتمدة، لأن في طيّاته ما يستوجب القراءة والتحليل والاستخلاص.

أولاً: اليونسكو ومعايير الانضمام  ما لا يُمنح لكل طالب
لا يعرف قيمة هذا الانضمام إلا من اطّلع على الشروط والمعايير التي تضعها منظمة اليونسكو لمنح صفة "العضوية الاستشارية" للمنظمات غير الحكومية. فهذه المنظمة الأممية العريقة، التي تأسّست في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتحمي العقل البشري من دواعي الصراع، لا تفتح أبوابها لكل راغب. إنها تشترط إثبات الأثر الحقيقي في ميادين التعليم والثقافة والعلوم والتواصل الإنساني، وتقييم قدرة المؤسسة على الإسهام الفعلي لا الشكلي في أهداف المنظمة.
وبهذا المعيار، فإن اعتماد مؤسسة رسالة السلام العالمية لدى اليونسكو ليس شرفاً مُمنوحاً بالمجاملة، بل هو اعتراف مبني على تقييم موضوعي لما يحمله مشروع المفكر على الشرفاء الحمادي من قيمة إضافية حقيقية في المشهد الفكري الدولي. ولا يُقلّل من هذه القيمة أنةهناك   مئات المنظمات المعتمدة ؛ بل يرفع منها أن تنضم إليها مؤسسة عربية إسلامية تحمل خطاباً ثقافياً متمايزاً ومتجذّراً في منظومة قيم إنسانية أصيلة.

ثانياً: الشرفاء الحمادي وخطاب اليونسكو  توافق في الجوهر

لعل ما يجعل انضمام مؤسسة رسالة السلام إلى اليونسكو طبيعياً في منطقه العميق، هو أن رؤية الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي تنتمي في جوهرها إلى المنظومة القيمية ذاتها التي أُسِّست اليونسكو للدفاع عنها وتعزيزها. فهو يدعو إلى إحياء القيم الإنسانية المشتركة، ونبذ التطرف والكراهية، والعودة إلى جوهر الرسالات السماوية القائم على الرحمة والعدل واحترام الكرامة الإنسانية وهذه بالضبط هي المبادئ التي قامت عليها اليونسكو في ميثاقها التأسيسي عام 1945.
غير أن ما يُميّز الشرفاء الحمادي عن كثير ممن يتبنّى شعارات مماثلة، هو أنه لا يُقدّم خطاباً للاستهلاك الخارجي، بل يبني مشروعاً فكرياً متكاملاً يخاطب الداخل العربي والإسلامي بالقدر ذاته الذي يخاطب فيه العالم. والمؤسسة التي حملت فكره إلى اليونسكو هي المؤسسة ذاتها التي نظّمت في القاهرة ندوة حول  الأسرة العربية، وفي جاكرتا برامج للدراسات القرآنية، وفي فيينا حوارات للتواصل الحضاري  هذا الاتساق في البُعدين الداخلي والخارجي هو ما يمنح المشروع مصداقيته أمام منظمة كاليونسكو التي تُحسن التمييز بين الخطاب المؤسّسي الحقيقي والدعوى المجردة.

ثالثاً: من قلب اليونسكو .. كتب تُخاطب 66 دولة

لم تكتفِ مؤسسة رسالة السلام العالمية بالانضمام الرسمي إلى اليونسكو، بل سارعت إلى تحويل هذا الانضمام إلى حضور فاعل ومؤثّر في أول محطة دولية كبرى، وهي فعاليات اليوم العالمي لأفريقيا ضمن أسبوع أفريقيا 2026. ففي مشهد لافت داخل مقر اليونسكو بباريس، تصدّرت كتب الشرفاء الحمادي الحدث، ووُزِّعت على وفود ممثلي 66 دولة في أعقاب الجلسة الافتتاحية الرسمية.
و في اختيار هذا الحدث تحديداً اليوم العالمي لأفريقيا دلالة عميقة تكشف عن وعي استراتيجي مدروس. فأفريقيا اليوم هي الساحة التي تتنافس فيها التيارات الفكرية والأيديولوجية بأشد صورها حدّةً: بين التطرف الديني الذي يزحف من الشمال، والعدمية الاجتماعية التي تتسلّل من الغرب، والفراغ القيمي الذي تُغذّيه سنوات الاستعمار وما أعقبها. وفي هذا السياق، يحمل خطاب الشرفاء الحمادي القائم على الرحمة والسلام والتعايش رسالةً يحتاجها الإنسان الأفريقي قبل أن يحتاجها غيره.
وقد حوّل جناح المؤسسة في اليونسكو إلى فضاء للحوار الحقيقي؛ إذ تجمّع حوله الدبلوماسيون وممثلو منظمات المجتمع المدني والشباب من مختلف أنحاء العالم، مُبدين اهتماماً حقيقياً بما تحمله هذه الكتب من رؤى إنسانية تُؤكّد أن الأديان جاءت رحمةً للعالمين وأن السلام لا يُبنى إلا باحترام الإنسان وحقّه في الحياة والكرامة والاختلاف. وهذا الإقبال ليس مصادفةً، بل هو دليل على أن العالم يبحث فعلاً عن خطاب بديل يملأ الفراغ الذي تركه الاستقطاب والعنف.

رابعاً: مجدي طنطاوي حامل الرسالة إلى العالم
في هذا الحضور الدولي الكبير، يضطلع المدير العام للمؤسسة، الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي، بمهمة من الأهمية بمكان. فهو ليس مجرد ممثل مؤسسي، بل هو المُرشَّح شخصياً من الشرفاء الحمادي لحمل المشروع الفكري والإنساني للمؤسسة إلى المحافل الدولية. وتلك الثقة بحدّ ذاتها تعكس فلسفة المؤسسة في العمل: أن الرسالة الكبرى تحتاج إلى  مؤهلين قادرين على ترجمتها بلغة يفهمها العالم.
ويعني ذلك أن المؤسسة لا تدير حضوراً أممياً عابراً، بل تبني تدريجياً شبكة علاقات وحضور مؤسسي في أرفع المحافل الدولية، وهو ما يُوسّع دائرة تأثير الفكر الذي يحمله الشرفاء الحمادي ويُحوّله من رؤية ثقافية إلى قوة ناعمة فاعلة على الخريطة الدولية.

خامساً: المحطة الأممية في سياق الزحف الفكري للتطرف

لا يمكن قراءة هذا الحضور بمعزل عن المشهد الدولي الراهن. نحن نعيش في عصر تُموّل فيه تيارات التطرف والكراهية مئات الملايين من  الدولارات لنشر أيديولوجياتها عبر الفضاء الرقمي والمنابر الدينية والتعليمية في أفريقيا وآسيا. وفي مواجهة هذا الزحف، يبدو خطاب السلام والتسامح الذي تُمثّله مؤسسة رسالة السلام سلاحاً فكرياً من الطراز الأول، لا لأنه يواجه التطرف بالمصادرة والحظر، بل لأنه يواجهه بالفكرة الأعمق والأصدق والأكثر إنسانية.
واليونسكو تُدرك هذه المعادلة جيداً، لذلك تحرص على استضافة المؤسسات التي تحمل هذا النوع من الخطاب وتمنحها منبراً شرعياً ومُعترفاً به. وانضمام مؤسسة رسالة السلام إلى هذه المنظومة الأممية يعني أن فكر الشرفاء الحمادي قد تجاوز مرحلة الاعتراف الإقليمي إلى مرحلة الاعتراف العالمى

الخلاصة


حين نقرأ خبر انضمام مؤسسة رسالة السلام إلى اليونسكو، ونتأمل مشهد كتب الشرفاء الحمادي تُوزَّع في قاعات باريس على ممثلي 66 دولة، لا ينبغي أن نرى في ذلك مجرد إنجاز تنظيمي مُبهج. لكن ينبغي أن نرى فيه إجابة عملية على سؤال طالما طرحه المفكرون العرب على أنفسهم: هل يستطيع الفكر العربي أن يُصدِّر نفسه إلى العالم لا أن يستورده فحسب؟
الجواب الذي تُقدّمه هذه المؤسسة بأفعالها قبل كلماتها هو: نعم، حين يكون الفكر صادقاً وعميقاً وإنسانياً، فإنه يجد طريقه إلى قلوب البشر وإلى قاعات القرار، من القاهرة إلى باريس ومن الخليج إلى جاكرتا وما وراءها.
وهذا  هو الأثر الأعمق لمشاركة اليونسكو: ليس فقط ما قيل وما وُزِّع، بل ما أثبتته هذه المؤسسة من أن العروبة والإسلام قادران على رفد الإنسانية بفكر بنّاء، لا أن يكونا عبئاً على حواراتها.