حين نتأمل واقع المسلمين اليوم ونقارن بينه وبين ما أمر الله به في كتابه الكريم تتولد في النفس أسئلة موجعة لا يمكن الهروب منها
أي دين هذا الذي نمارسه
وأي رب ذلك الذي نزعم الإيمان به ثم لا نخشى أوامره ولا نقف عند حدوده
لقد بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم برسالة واضحة تدعو إلى التوحيد والعدل والرحمة والإصلاح بين الناس وأنزل كتابه هداية للعالمين وجعل فيه المنهج الذي يحفظ للإنسان كرامته ويحقق للأمم وحدتها وقوتها لكننا مع مرور الزمن صنعنا لأنفسنا دينا موازيا امتلأ بالخلافات والصراعات والتعصبات حتى أصبح بعيدا عن مقاصد الرسالة التي جاء بها القرآن
قال تعالى
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
فكان الاعتصام بحبل الله أمرا إلهيا يجمع الأمة على كتاب ربها ويجعل وحدتها أساس قوتها لكننا قطعنا الحبال وتفرقنا شيعا وأحزابا ومذاهب يتعصب بعضها ضد بعض حتى أصبح الخلاف عندنا مقدما على الأخوة والإيمان
وقال سبحانه
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
فإذا بنا نستبدل التعاون بالتنافس المذموم والتراحم بالتباغض والتكامل بالتآمر وأصبحت مصالح الجماعات والأفراد مقدمة على مصالح الأوطان والشعوب
وقال عز وجل
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
فحذرنا من التنازع لأنه طريق الفشل وضياع القوة لكننا جعلنا النزاع أسلوب حياة فكانت النتيجة ما نراه من ضعف وتمزق وصراعات أهدرت الطاقات وأضاعت الحقوق وفتحت الأبواب لكل متربص
وقال تعالى
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾
فجعل العدل أساس العمران والاستقرار لكن كثيرا من الناس خانوا الأمانات وبخسوا الحقوق واستباحوا المال العام والخاص وتحولت الرشوة والفساد والغش إلى أمر يهدد المجتمعات ويقوض أسس الثقة بينها
إن المشكلة ليست في الإسلام الذي أنزله الله وإنما في المسافة الهائلة بين ما نقرأه في القرآن وما نمارسه في واقعنا فالله لم يأمرنا بالكراهية بل بالرحمة ولم يأمرنا بالتفرق بل بالوحدة ولم يأمرنا بالظلم بل بالعدل ولم يأمرنا بالاقتتال بل بالإصلاح
فإذا كانت أوامر الله بين أيدينا واضحة بينة ثم نخالفها صباح مساء فالسؤال الذي يجب أن يواجه كل واحد منا نفسه به
أي دين نتبع
أهو دين الله الذي جاء به القرآن أم دين صنعناه بأهوائنا ومصالحنا وتعصباتنا
إن طريق النجاة لا يبدأ باتهام الآخرين بل بمراجعة النفس والعودة الصادقة إلى كتاب الله والاحتكام إلى قيمه ومقاصده فالأمة التي تعود إلى العدل تستعيد قوتها والأمة التي تتوحد حول الحق تسترد مكانتها والأمة التي تجعل التقوى ميزان أعمالها يفتح الله لها أبواب الخير والبركة
ولعل السؤال الأهم ليس أين أخطأ الناس
بل متى نملك الشجاعة لنعود إلى ما أمر الله به حقا
عندها فقط لن نحتاج أن نسأل
أي دين هذا وأي رب ذلك
لأن الإجابة ستكون حاضرة في السلوك والعمل قبل أن تكون على الألسنة

