مجدى طنطاوى يكتب ... من يحاصر الكلمة قبل أن تولد؟

مجدى طنطاوى يكتب ... من يحاصر الكلمة قبل أن تولد؟

ليست كل الحروب تُخاض بالدبابات ولا كل الاحتلالات تُفرض بالقوة فهناك لوبيات أشد خطرا من الجيوش لأنها لا تحتل الأرض وإنما تحتل العقول ولا تغلق الحدود وإنما تغلق منافذ الوعي ولا تمنع الإنسان من الكلام وإنما تجعل صوته يضيع وسط طوفان من الضجيج حتى يظن أنه تكلم بينما لم يسمعه أحد.
اتصل بي صديق يعرف أنني أكتب منذ سنوات لا أطلب شهرة ولا أبحث عن ترند فقال بصوت يحمل يقين المهزوم لا مرارة المتشائم لا تتعب نفسك فما تكتبه لن يسمحوا له بالانتشار لأنك تسبح عكس التيار ولأن الكلمة التي تدعو إلى استعادة الفطرة وإيقاظ العقل ليست مما يراد له أن يصل إلى الناس لقد صنعوا عالما افتراضيا لا يكافئ الحقيقة بل يكافئ الإثارة ولا يرفع الحكمة بل يرفع الابتذال ولا يمنح الضوء إلا لمن يزيد العتمة كثافة
ظل يتحدث وكأنه يقرأ من كتاب الواقع ثم سكت منتظرا أن أشاركه اليأس
قلت له ربما استطاعوا أن يمتلكوا المنصات لكنهم لن يمتلكوا الحقيقة وربما نجحوا في توجيه الأعين لكنهم لن يستطيعوا أن يغيروا سنن الفكر ولا قوانين التاريخ

إن اللوبي الحقيقي لا يخشى السلاح كما يخشى الفكرة لأن السلاح يقتل جسدا أما الفكرة فتوقظ أمة ولذلك كان أول ما يستهدفونه هو العقل فإذا نام العقل صار الإنسان مستعدا لأن يصدق كل شيء وأن يصفق لكل شيء وأن يرفض كل من يدعوه إلى التفكير
لقد أصبح الضجيج صناعة والابتذال استثمارا والتفاهة سلعة عالمية لأن الإنسان المنشغل بالسفاسف لا يلتفت إلى القضايا الكبرى ولا يسأل من يقوده وإلى أين يمضي ولماذا خسر نفسه
ولهذا لا أستغرب أن تحاصر المقالات التي تدعو إلى الإصلاح وأن يفسح الطريق لكل ما يفسد الذوق ويهدم القيم ويشوه الفطرة لأن معركة هذا العصر ليست معركة على الأخبار وإنما معركة على تشكيل الوعي وصناعة الإنسان الذى يريدونه لا الإنسان الذى أراده الله حرا عاقلا مفكرا

قلت له إننى لا أكتب لأنتصر على خوارزمية ولا لأنافس صناع الضجيج ولا لأحصد إعجابات عابرة إنما أكتب لأن الكلمة الصادقة لا تموت وإن تأخر وصولها ولأن التاريخ يعلمنا أن أعظم الأفكار بدأت وحيدة ثم انتهت وهى تقود الأمم
إذا كانوا يملكون مفاتيح الانتشار فأنا أملك حرية الشهادة وإذا كانوا يحسبون الأرباح بعدد المشاهدات فأنا أحسبها بعدد الكلمات التى ألقى بها إلى الله نقية لم أبعها ولم ألوثها ولم أجعلها تتزين لتنال رضا جمهور أو تصفيق عابر

ولهذا سأظل أكتب ولو حاصروا كل نافذة لأن رسالتى ليست أن أكون الأشهر وإنما أن أبقى صادقا فالضجيج عمره يوم أما الكلمة التى خرجت من ضمير حر فقد تعيش بعد صاحبها قرونا وتشهد له يوم يسقط كل تصفيق ويبقى الحق وحده يتكلم.