حين تريد القوى الكبرى إضعاف دولة بحجم مصر فإنها لا تحتاج دائما إلى إرسال جندي واحد إلى أرضها يكفي أن تجعل الدولة مشغولة بنفسها وأن يتحول المجتمع إلى ساحات متصارعة وأن يصبح كل تيار خائفا من التيار الآخر وكل جماعة تبحث عن سند خارج حدود الوطن
ومن هنا تبدأ الحكاية
بدأ الأمر بالاقتصاد حين فتحت مصر أبواب الانفتاح أمام رأس المال الأجنبي والعربي في السبعينيات ومع التحول نحو اقتصاد السوق بدأت طبقة جديدة من رجال الأعمال تكبر وتزداد نفوذا وتتشابك مصالحها مع الخارج وتشير الدراسات إلى أن سياسة الانفتاح منذ 1974 ارتبطت بجذب رؤوس الأموال الغربية والعربية وبالتحول في السياسة الخارجية المصرية نحو الولايات المتحدة وأن القطاع الخاص أصبح مع الوقت قوة اقتصادية ضخمة في مصر
وفي هذه البيئة جرى دعم وصعود بعض رجال الأعمال المسيحيين الذين امتلكوا إمبراطوريات اقتصادية وإعلامية وتجارية وصار لبعضهم وزن يتجاوز مجرد النشاط الاقتصادي إلى التأثير في المجال العام وهذه ليست دعوة لاتهام الأقباط ولا للطعن في نجاح رجال الأعمال المسيحيين وإنما هي قراءة سياسية لسؤال أكبر كيف يمكن صناعة مراكز قوة اقتصادية واجتماعية متوازية داخل دولة واحدة بحيث يصبح المال نفسه أحد أدوات الصراع على النفوذ
ثم جاء الدين
فإذا كان هناك مركز قوة اقتصادي واجتماعي فلا بد من مراكز أخرى تقابله
جماعة الإخوان
ثم التيارات السلفية
ثم الحركات الإسلامية المختلفة
ثم التيارات العلمانية والليبرالية واليسارية
ثم الأصوات الإلحادية المتطرفة
ثم الخطاب الطائفي
ثم خطاب الكراهية
وكلما ظهر تيار ظهر في مواجهته تيار آخر حتى أصبح المجتمع المصري كأنه مجموعة جزر لا وطن واحد
والأخطر أن الخارج لم يكن دائما بعيدا عن هذه اللعبة
فالوثائق الأمريكية تكشف أن واشنطن أقامت اتصالات مع قيادات الإخوان في خمسينيات القرن الماضي وأن هذه الاتصالات ارتبطت في بعض مراحل الحرب الباردة بمحاولة احتواء النفوذ الشيوعي والسوفيتي في مصر والمنطقة
وهنا نفهم قاعدة السياسة الكبرى
ليس ضروريا أن تصنع القوة الكبرى كل تيار من الصفر
يكفي أن تجد تيارا موجودا فتدعمه في لحظة وتستخدمه في لحظة وتضغط عليه في لحظة أخرى وفقا لمصالحها
وهكذا تصبح الجماعة ورقة
والطائفة ورقة
ورجل الأعمال ورقة
والإعلام ورقة
والتيار الديني ورقة
والتيار الليبرالي ورقة
والخلاف الفكري ورقة
والخوف الطائفي ورقة
والمحصلة دولة منشغلة بالصراع الداخلي
ثم يأتي الدور الأخطر
أن تصنع لكل قوة خصما
إذا قويت الجماعات الإسلامية جرى تقديم التيار العلماني باعتباره الحائط المقابل
وإذا ارتفع صوت العلمانيين جرى دفع التيارات الدينية إلى المواجهة
وإذا تصاعد الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين أصبح كل طرف يبحث عن حماية من الخارج
وإذا ظهر رجل أعمال شديد النفوذ أصبح المال السياسي طرفا في الصراع
وإذا غضب الفقراء من الأغنياء تحول الغضب إلى طبقية
وإذا غضب المتدينون من العلمانيين تحول الخلاف إلى معركة على هوية الدولة
وهكذا لا يعود المصري يسأل كيف نبني مصر وإنما يسأل من سيهزم من
وهنا تكون الكارثة قد اكتملت
لأن واشنطن وأوروبا وإسرائيل لا تحتاج إلى أن تتفق على كل شيء فيما بينها حتى تضغط على مصر فكل قوة تتحرك وفقا لمصالحها لكن النتيجة قد تلتقي عند نقطة واحدة وهي أن تظل مصر في حاجة إلى الخارج وألا تتحول إلى قوة إقليمية مستقلة تمتلك اقتصادا قويا وقرارا مستقلا وقدرة على التأثير
أما إسرائيل فهي تدرك أكثر من غيرها معنى أن تستعيد مصر كامل ثقلها الإقليمي
وأما أوروبا فتريد مصر مستقرة وقادرة على حماية مصالحها في المتوسط والهجرة والطاقة وقناة السويس
وأما واشنطن فتريد شريكا استراتيجيا يحافظ على توازنات المنطقة ومصالحها
كل طرف له حساباته
لكن مصر يجب أن تكون لها حساباتها أيضا
وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن يصحو له العرب
لماذا نساعد نحن الآخرين على تفكيكنا
لماذا يتحول المسلم إلى خصم للمسيحي
ولماذا يصبح السلفي خصما للإخواني
ولماذا يصبح الإخواني خصما للعلماني
ولماذا يصبح الليبرالي خصما للمتدين
ولماذا يصبح الغني خصما للفقير
ولماذا يصبح رجل الأعمال عدوا للدولة
ولماذا يصبح الاختلاف الفكري سببا للكراهية
هذه هي اللعبة الحقيقية
أن تجعل المصري يرى المصري عدوا له
فإذا نجحت هذه اللعبة فلا تحتاج إلى احتلال مصر
مصر ستستهلك قوتها بنفسها
ولهذا فإن أخطر معركة تخوضها مصر اليوم ليست مع أمريكا وحدها ولا مع أوروبا وحدها ولا مع إسرائيل وحدها وإنما مع كل محاولة لتحويل المجتمع المصري إلى طوائف ومراكز نفوذ متصارعة
مصر لا تحتاج إلى أن ينتصر المسلم على المسيحي
ولا أن ينتصر السلفي على الليبرالي
ولا أن ينتصر رجل الأعمال على الدولة
ولا أن ينتصر تيار على تيار
مصر تحتاج أن ينتصر الوطن على الجميع
لأن الدولة التي تتماسك داخليا وتملك اقتصادها وصناعتها وغذاءها وسلاحها وعلمها وإعلامها وقرارها السياسي لا يستطيع الخارج أن يديرها بسهولة
أما الدولة التي تظل تبحث عن حليف يحميها من أبنائها فستظل أسيرة لمن يملك المال والسلاح والتمويل والقرار
هم يعرفون كيف يستخدمون خلافاتنا
ونحن ما زلنا لا نعرف كيف نتوقف عن صنعها
حين تريد القوى الكبرى إضعاف دولة بحجم مصر فإنها لا تحتاج دائما إلى إرسال جندي واحد إلى أرضها يكفي أن تجعل الدولة مشغولة بنفسها وأن يتحول المجتمع إلى ساحات متصارعة وأن يصبح كل تيار خائفا من التيار الآخر وكل جماعة تبحث عن سند خارج حدود الوطن
ومن هنا تبدأ الحكاية
بدأ الأمر بالاقتصاد حين فتحت مصر أبواب الانفتاح أمام رأس المال الأجنبي والعربي في السبعينيات ومع التحول نحو اقتصاد السوق بدأت طبقة جديدة من رجال الأعمال تكبر وتزداد نفوذا وتتشابك مصالحها مع الخارج وتشير الدراسات إلى أن سياسة الانفتاح منذ 1974 ارتبطت بجذب رؤوس الأموال الغربية والعربية وبالتحول في السياسة الخارجية المصرية نحو الولايات المتحدة وأن القطاع الخاص أصبح مع الوقت قوة اقتصادية ضخمة في مصر
وفي هذه البيئة جرى دعم وصعود بعض رجال الأعمال المسيحيين الذين امتلكوا إمبراطوريات اقتصادية وإعلامية وتجارية وصار لبعضهم وزن يتجاوز مجرد النشاط الاقتصادي إلى التأثير في المجال العام وهذه ليست دعوة لاتهام الأقباط ولا للطعن في نجاح رجال الأعمال المسيحيين وإنما هي قراءة سياسية لسؤال أكبر كيف يمكن صناعة مراكز قوة اقتصادية واجتماعية متوازية داخل دولة واحدة بحيث يصبح المال نفسه أحد أدوات الصراع على النفوذ
ثم جاء الدين
فإذا كان هناك مركز قوة اقتصادي واجتماعي فلا بد من مراكز أخرى تقابله
جماعة الإخوان
ثم التيارات السلفية
ثم الحركات الإسلامية المختلفة
ثم التيارات العلمانية والليبرالية واليسارية
ثم الأصوات الإلحادية المتطرفة
ثم الخطاب الطائفي
ثم خطاب الكراهية
وكلما ظهر تيار ظهر في مواجهته تيار آخر حتى أصبح المجتمع المصري كأنه مجموعة جزر لا وطن واحد
والأخطر أن الخارج لم يكن دائما بعيدا عن هذه اللعبة
فالوثائق الأمريكية تكشف أن واشنطن أقامت اتصالات مع قيادات الإخوان في خمسينيات القرن الماضي وأن هذه الاتصالات ارتبطت في بعض مراحل الحرب الباردة بمحاولة احتواء النفوذ الشيوعي والسوفيتي في مصر والمنطقة
وهنا نفهم قاعدة السياسة الكبرى
ليس ضروريا أن تصنع القوة الكبرى كل تيار من الصفر
يكفي أن تجد تيارا موجودا فتدعمه في لحظة وتستخدمه في لحظة وتضغط عليه في لحظة أخرى وفقا لمصالحها
وهكذا تصبح الجماعة ورقة
والطائفة ورقة
ورجل الأعمال ورقة
والإعلام ورقة
والتيار الديني ورقة
والتيار الليبرالي ورقة
والخلاف الفكري ورقة
والخوف الطائفي ورقة
والمحصلة دولة منشغلة بالصراع الداخلي
ثم يأتي الدور الأخطر
أن تصنع لكل قوة خصما
إذا قويت الجماعات الإسلامية جرى تقديم التيار العلماني باعتباره الحائط المقابل
وإذا ارتفع صوت العلمانيين جرى دفع التيارات الدينية إلى المواجهة
وإذا تصاعد الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين أصبح كل طرف يبحث عن حماية من الخارج
وإذا ظهر رجل أعمال شديد النفوذ أصبح المال السياسي طرفا في الصراع
وإذا غضب الفقراء من الأغنياء تحول الغضب إلى طبقية
وإذا غضب المتدينون من العلمانيين تحول الخلاف إلى معركة على هوية الدولة
وهكذا لا يعود المصري يسأل كيف نبني مصر وإنما يسأل من سيهزم من
وهنا تكون الكارثة قد اكتملت
لأن واشنطن وأوروبا وإسرائيل لا تحتاج إلى أن تتفق على كل شيء فيما بينها حتى تضغط على مصر فكل قوة تتحرك وفقا لمصالحها لكن النتيجة قد تلتقي عند نقطة واحدة وهي أن تظل مصر في حاجة إلى الخارج وألا تتحول إلى قوة إقليمية مستقلة تمتلك اقتصادا قويا وقرارا مستقلا وقدرة على التأثير
أما إسرائيل فهي تدرك أكثر من غيرها معنى أن تستعيد مصر كامل ثقلها الإقليمي
وأما أوروبا فتريد مصر مستقرة وقادرة على حماية مصالحها في المتوسط والهجرة والطاقة وقناة السويس
وأما واشنطن فتريد شريكا استراتيجيا يحافظ على توازنات المنطقة ومصالحها
كل طرف له حساباته
لكن مصر يجب أن تكون لها حساباتها أيضا
وهنا يأتي السؤال الذي يجب أن يصحو له العرب
لماذا نساعد نحن الآخرين على تفكيكنا
لماذا يتحول المسلم إلى خصم للمسيحي
ولماذا يصبح السلفي خصما للإخواني
ولماذا يصبح الإخواني خصما للعلماني
ولماذا يصبح الليبرالي خصما للمتدين
ولماذا يصبح الغني خصما للفقير
ولماذا يصبح رجل الأعمال عدوا للدولة
ولماذا يصبح الاختلاف الفكري سببا للكراهية
هذه هي اللعبة الحقيقية
أن تجعل المصري يرى المصري عدوا له
فإذا نجحت هذه اللعبة فلا تحتاج إلى احتلال مصر
مصر ستستهلك قوتها بنفسها
ولهذا فإن أخطر معركة تخوضها مصر اليوم ليست مع أمريكا وحدها ولا مع أوروبا وحدها ولا مع إسرائيل وحدها وإنما مع كل محاولة لتحويل المجتمع المصري إلى طوائف ومراكز نفوذ متصارعة
مصر لا تحتاج إلى أن ينتصر المسلم على المسيحي
ولا أن ينتصر السلفي على الليبرالي
ولا أن ينتصر رجل الأعمال على الدولة
ولا أن ينتصر تيار على تيار
مصر تحتاج أن ينتصر الوطن على الجميع
لأن الدولة التي تتماسك داخليا وتملك اقتصادها وصناعتها وغذاءها وسلاحها وعلمها وإعلامها وقرارها السياسي لا يستطيع الخارج أن يديرها بسهولة
أما الدولة التي تظل تبحث عن حليف يحميها من أبنائها فستظل أسيرة لمن يملك المال والسلاح والتمويل والقرار
هم يعرفون كيف يستخدمون خلافاتنا
ونحن ما زلنا لا نعرف كيف نتوقف عن صنعها

