من يملك أسرار الغيب؟.. القرآن يفتح أخطر ملفات العلاقة بين الرسول والوحي

من يملك أسرار الغيب؟.. القرآن يفتح أخطر ملفات العلاقة بين الرسول والوحي

يطرح المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، في كتابه «علم الغيب عند الرسول»، قضية من أكثر القضايا حساسية في الوعي الديني، وهي: من يملك مفاتيح الغيب؟ وهل يحدد القرآن الكريم بوضوح حدود قدرات الرسول ﷺ وطبيعة مهمته؟ وتنطلق القراءة من آيات قرآنية تؤكد أن علم الغيب المطلق لله وحده، وأن الرسول بشر اصطفاه الله بالوحي وكلفه بالبلاغ والإنذار والبشارة. 

ويستشهد الشرفاء الحمادي بقوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 188)، وكذلك قوله سبحانه: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: 65). 

ويرى أن هذه الآيات تؤسس لفهم يقوم على التوحيد الخالص، ويمنع نسبة صفات الألوهية أو القدرات المطلقة إلى البشر، كما تدعو إلى التمييز بين تعظيم الرسول والإيمان برسالته، وبين الغلو في قدراته وتجاوز الحدود التي يقررها القرآن لبشريته ومهمته.
ويؤكد الشرفاء الحمادي أن القرآن الكريم يقرر بشرية الرسول ﷺ بوضوح في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف: 110)، كما يحدد مهمته في البلاغ والتذكير والإنذار، دون أن يكون مسؤولًا عن إجبار الناس على الإيمان أو التحكم في مصائرهم. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 66)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (ص: 65).

 ومن هذا المنطلق، يربط الكاتب بين حصر علم الغيب بالله وحده وبين تحرير العقل من الخرافة والخوف والاستغلال الديني، محذرًا من توظيف الادعاءات الغيبية والتنبؤات المزعومة في التأثير على الناس أو دفعهم إلى التعصب والتطرف والعنف. كما يرى أن تحويل الدين إلى ساحة للصراعات والنبوءات السياسية والعسكرية يبعد الإنسان عن مقاصد الهداية والعمل الصالح، ويؤكد أن الحساب والجزاء من اختصاص الله وحده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ (الرعد: 40).

 ووفق هذه الرؤية، فإن الإيمان ببشرية الرسول لا ينتقص من مكانته، بل يجعل الاقتداء بأخلاقه ورحمته وصبره وسيرته الإنسانية أكثر وضوحًا وواقعية.
ويخلص الشرفاء الحمادي إلى أن العودة إلى القرآن الكريم تمثل مدخلًا لتجديد الوعي الديني، وترسيخ المسؤولية الفردية، وتحرير الإنسان من الوصاية التي تصادر عقله أو تستغل مخاوفه من المجهول. فالرسالة، وفق هذا الطرح، جاءت لتقود الإنسان إلى الإيمان بالله والعمل الصالح، وتفتح أمامه طريق العدل والرحمة والسلام، لا لتجعله أسيرًا للخرافات أو التنبؤات أو سلطة من يدّعون امتلاك أسرار الغيب. 

ويؤكد هذا التصور أن جوهر العلاقة بين الإنسان وربه يقوم على التوحيد والاختيار والمسؤولية، وأن احترام الرسول ﷺ يكون باتباع هديه والالتزام بالقيم التي تدعو إلى الخير والإصلاح، مع إبقاء علم الغيب المطلق لله سبحانه وتعالى. 

ومن هنا، يطرح الكتاب دعوة إلى قراءة القضايا الدينية في ضوء الآيات القرآنية، وإعمال العقل في فهمها، ومراجعة الأفكار التي قد تؤدي إلى الغلو أو التعصب، بما يسهم في بناء وعي ديني أكثر ارتباطًا بالرحمة والعدل وكرامة الإنسان والسلام بين الشعوب.