تبدو الحكومة الموريتانية الجديدة، التي أعلن عن تشكيلها في العاشر من أكتوبر الجاري، أمام فرصة مواتية لإحداث نقلة نوعية في الأداء التنفيذي، بالنظر إلى ما تجمعه من كفاءات علمية وخبرات إدارية وسياسية، وما أظهرته أيامها الأولى من حيوية في العمل وميل واضح إلى المتابعة الميدانية والمساءلة. وهي مؤشرات تمنح التشكيلة التي يقودها الوزير الأول المختار ولد أجاي مقومات واعدة، وتفتح أمامها آفاقا تستحق التفاؤل، دون أن تعفيها من امتحان الإنجاز الذي يظل المعيار الحاسم في تقييم الحكومات.
ولعل أبرز ما يميز الفريق الحكومي الجديد ذلك التنوع في التكوين والتجذر في الخبرة، حيث تتجاور كفاءات من أجيال أحدث، تلقت تكوينا أكاديميا متخصصا في مؤسسات علمية مرموقة، مع شخصيات راكمت تجارب معتبرة في تسيير الشأن العام والعمل السياسي والدبلوماسي. وهو تنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أحسن توظيفه ضمن رؤية تنفيذية منسجمة، تتكامل فيها الاختصاصات وتتحد الأولويات.
وتكشف قراءة السير الذاتية لأعضاء الحكومة عن حضور تخصصات دقيقة في الاقتصاد والإحصاء والمالية والهندسة والرياضيات والفيزياء والقانون والإدارة، بما يعكس اتساع قاعدة الخبرات الفنية داخل الجهاز التنفيذي. وتبرز في هذا السياق أسماء من قبيل آيساتا لام، وهدى بنت باباه، وآمال بنت مولود، ومحمد عبد الله ولد لولي، ويعقوب ولد أمين، الذين تجمع مساراتهم، على اختلافها، بين التكوين العلمي والتجربة المهنية والإدارية، إلى جانب وزراء متمرسين يمتلكون خبرة طويلة في إدارة المؤسسات والملفات السيادية والاقتصادية.
ولا تكمن أهمية هذه التركيبة في حداثة أعمار بعض أعضائها أو في قيمة الشهادات التي يحملونها فحسب، وإنما في إمكانية الجمع بين حيوية التجديد ورصانة التجربة، وبين المعرفة الفنية والقدرة على اتخاذ القرار. فالإدارة الحديثة تحتاج إلى عقلية تستوعب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، دون أن تفقد الصلة بواقع المجتمع وتعقيدات العمل المؤسسي.
ويمنح هذا التنوع الوزير الأول المختار ولد أجاي فرصة لقيادة فريق تتكامل فيه الكفاءات بدل أن تتنافس، وتتوحد فيه الجهود حول أهداف واضحة. كما أن خلفيته في الاقتصاد والإحصاء والمالية، وما راكمه من تجربة في تسيير المؤسسات والملفات العمومية، توفر له أدوات مهمة لترسيخ ثقافة التخطيط والمتابعة وتقييم النتائج.
واللافت أن الحكومة لم تكتف، في أيامها الأولى، بالانطلاق الإداري المعتاد، بل أظهرت حراكا تنفيذيا يستحق التوقف عنده. فقد تناول اجتماع مجلس الوزراء في الرابع عشر من أكتوبر ملفات تتصل بالحماية الاجتماعية وتحسين جودة التعليم والتحول الرقمي، فيما شهدت قطاعات مختلفة نشاطا في مجالات التعاون الاقتصادي والتربية والتنمية.
غير أن أبرز ملامح هذه الديناميكية تجسد في الجولات الميدانية التي قام بها الوزير الأول يومي 17 و18 أكتوبر، وشملت مشاريع ومنشآت حيوية في قطاعات الصحة والمياه والصرف الصحي والإسكان والشباب والرياضة. وقد حملت تلك الزيارات رسائل بشأن احترام الآجال التعاقدية، وتحميل المسؤولين تبعات التأخر، وعدم التساهل مع الاختلالات التي تعيق تنفيذ المشاريع أو تؤثر في جودة الخدمات.
ولم تقتصر المعاينة على تسجيل الملاحظات، بل كشفت تفاوتا في مستويات الإنجاز؛ ففي مقابل التقدم المسجل في مشروع توسعة منشآت إديني للمياه، ظهر تأخر مقلق في مشروع الصرف الصحي بنواكشوط، بما يؤكد أن التحدي لا يكمن في إطلاق المشاريع وحده، وإنما في ضمان تنفيذها بالكفاءة والسرعة المطلوبتين.
وتكتسب هذه الصراحة في تشخيص أوجه القصور أهميتها من كونها تضع الإدارة أمام مسؤولياتها، وتؤسس لعلاقة أكثر وضوحا بين الالتزام والإنجاز والمحاسبة. فالحكومة التي تعترف بمواطن الخلل وتعمل على تصحيحها أقرب إلى بناء الثقة من تلك التي تكتفي بعرض النجاحات وتبرير الإخفاقات.
ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في كثافة الزيارات أو صرامة التوجيهات، وإنما في تحويل هذه الروح إلى منهج مؤسسي دائم، يجعل المتابعة والتقييم جزءا أصيلا من عمل كل وزير ومسؤول، لا إجراءات استثنائية تستدعي التدخل المباشر لرئيس الحكومة.
ومن هنا تبرز قيمة الانسجام الحكومي الذي تبدو مقوماته متاحة في التشكيلة الجديدة. فالانسجام ليس غياب الاختلاف بين الوزراء، ولا مجرد توافقهم في المواقف، بل قدرتهم على العمل بروح الفريق الواحد، وتجاوز الحواجز القطاعية، وتنسيق السياسات والبرامج وفق أولويات وطنية مشتركة.
فلا إصلاح حقيقيا للتعليم بمعزل عن التشغيل والتكوين المهني، ولا تنمية اقتصادية مستدامة دون طاقة وبنية تحتية واستثمار وإدارة فعالة، ولا جدوى من توسيع الإنفاق العمومي ما لم يقترن بحسن التسيير وعدالة توزيع الخدمات ومردودية المشاريع.
إن موريتانيا، بما تمتلكه من موارد اقتصادية وطاقات بشرية وإمكانات تنموية، تحتاج اليوم إلى حكومة تمتلك وضوح الرؤية وجرأة القرار وفاعلية التنفيذ. ولا شك أن الجمع بين الكفاءات الشابة والخبرات المتمرسة يوفر فرصة مهمة للاستجابة لهذه المتطلبات، شريطة أن يقترن بمنح الصلاحيات اللازمة، وتشجيع المبادرة، واعتماد معايير موضوعية للمساءلة وتقييم الأداء.
ولئن كان من المبكر إصدار حكم نهائي على حكومة لم يمض على تشكيلها سوى أيام، فإن من الإنصاف الإقرار بأن انطلاقتها أظهرت مؤشرات مشجعة، وأن تنوع كفاءاتها وحيوية تحركها يفتحان أمامها مجالا واسعا لإثبات قدرتها على إحداث الفرق.
إن موقع «الموريتاني»، وهو يتابع هذه المرحلة الجديدة، ينظر بتفاؤل إلى الآفاق المتاحة أمام حكومة ولد أجاي، ويرى أن نجاحها سيكون مكسبا للدولة والمواطن، وأن من المصلحة الوطنية تشجيع كل جهد جاد يعزز كفاءة الإدارة، ويسرع إنجاز المشاريع، ويحسن مستوى الخدمات.
لكن هذا التفاؤل يظل مرتبطا بما ستقدمه الحكومة من نتائج، فالمواطن لا ينتظر أن يرى كفاءات علمية تتصدر المناصب بقدر ما ينتظر أن يلمس أثر خبراتها في مدرسته ومستشفاه وفرص عمله وظروف معيشته.
لقد امتلكت حكومة ولد أجاي مقومات انطلاقة واعدة، وبدأت تقدم مؤشرات على حيوية تستحق الاهتمام. ويبقى التحدي الأكبر أن تتحول هذه الحيوية إلى أداء مستدام، وأن يصبح الانسجام الحكومي قوة إنجاز، لا مجرد سمة للتشكيلة.
فالحكومات لا تدخل التاريخ بما تختزنه من شهادات وخبرات، ولا بما تبعثه بداياتها من آمال، وإنما بما تحققه من نتائج. وإذا نجحت حكومة ولد أجاي في تحويل كفاءاتها إلى إنجازات، وديناميكيتها إلى إصلاحات، وتوجيهاتها إلى خدمات يلمسها المواطن، فإنها تكون قد منحت تجديد الثقة فيها معناه الحقيقي، وفتحت صفحة تستحق أن تسجل في مسار تطوير العمل الحكومي في موريتانيا.

