عالي محمد ولد أبنو – بروكسل بتاريخ 22 أكتوبر 2026
يثير تعيين أخرمبالي ولد محمد لحبيب مديرا عاما للشركة الموريتانية للمحروقات، خلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد أمس الأربعاء، تساؤلات جدية بشأن منطق التعيينات الحكومية، ومعايير المحاسبة الإدارية، ومدى الاتساق بين القرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية والرسائل التي تريد توجيهها بشأن المسؤولية والشفافية وحسن التسيير.
فالرجل الذي كان اسمه التعيين الوحيد في مجلس الوزراء أمس، هو نفسه الذي أُعفي قبل أسبوع واحد من الإدارة العامة للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، ضمن تغييرات أعقبت صدور تقرير لجنة التحقيق المستقلة في حريقي محطتي التحويل الكهربائي بنواكشوط، وما كشفه من اختلالات فنية وإدارية وتعاقدية، ورتبه من مسؤوليات على جهات وأشخاص متعددين.
وقد سجل التقرير على إدارة ولد محمد لحبيب أوجه قصور في متابعة المشروع، خصوصا ما تعلق بتسليم الكابلات وتحميلها، وعدم تطبيق غرامات التأخير. وهي ملاحظات تستوجب التوضيح وتحديد المسؤوليات، دون أن تعني بذاتها ثبوت فساد شخصي أو مسؤولية مباشرة عن الحريقين، فذلك أمر لا يجوز الجزم به خارج ما تثبته التحقيقات والإجراءات المختصة.
غير أن توقيت الإعفاء، ثم إعادة التعيين بعد سبعة أيام في مؤسسة استراتيجية أخرى، يضعنا أمام مفارقة إدارية تستحق تفسيراً واضحا.
فإن كان إعفاء ولد محمد لحبيب من «صوملك» عقوبة على فساد أو سوء تسيير ثبتت مسؤوليته عنه، فما المبرر لإسناد إدارة الشركة الموريتانية للمحروقات إليه؟ وكيف يصبح المسؤول غير المناسب لإدارة مؤسسة عمومية مناسبا، بعد أسبوع واحد، لإدارة مؤسسة أخرى لا تقل عنها أهمية وحساسية؟
إن مسؤولية الدولة في هذه الحالة لا تقف عند تغيير موقع المسؤول، وإنما تقتضي حماية المؤسسات العمومية جميعها من آثار الاختلالات التي ثبتت، فلا تكون معالجة مشكلة التسيير في مؤسسة ما بنقل المسؤول عنها إلى مؤسسة أخرى، وكأن المطلوب تغيير عنوان المشكلة لا معالجة أسبابها.
أما إذا كان الإعفاء إجراء احترازيا ريثما تتضح المسؤوليات، فإن مقتضيات الاحتراز نفسها تطرح السؤال عن مبرر إسناد مسؤولية تنفيذية جديدة إليه قبل استكمال التقييم الذي استدعى الإعفاء.
وفي الحالتين، لا ينبغي أن تتحول المسؤولية الإدارية إلى عقوبة بلا معايير، ولا أن تصبح المناصب العمومية ملاذا للتنقل بين المؤسسات بمعزل عن نتائج التقييم والمحاسبة.
أما إذا لم يكن الإعفاء عقوبة ولا إجراء احترازيا، ولم تثبت بحق الرجل مسؤولية تمنع استمراره في تسيير مؤسسة عمومية، فإن السؤال المقابل يصبح مشروعا بالقدر نفسه: لماذا أُبعد أصلا عن «صوملك»؟
فالرجل أمضى أكثر من سنة في إدارتها، ويفترض أنه راكم خلالها معرفة بمرافقها واختلالاتها وتشابكاتها الإدارية والفنية والمالية، وأصبح أقرب إلى فهم مفاصلها وشبكات المصالح والعلاقات المعقدة المعششة في بنيتها.
وهذه المعرفة، وإن لم تكن وحدها ضمانة للكفاءة أو النجاح، فإنها رصيد مؤسسي لا ينبغي التفريط فيه دون سبب موضوعي. إذ يحتاج أي مدير جديد يأتي من خارج المؤسسة إلى وقت لاستيعاب ملفاتها وتوازناتها ومشكلاتها، وفك خيوط شبكات العنكبوت المتداخلة في هياكلها، قبل أن يصبح قادرا على اتخاذ القرارات الإصلاحية المناسبة.
ومن هنا تبرز مفارقة أخرى: فإذا كانت السلطة التنفيذية ترى أن ولد محمد لحبيب لم يرتكب ما يستوجب مساءلته أو إبعاده، وأنه ما زال يحظى بثقتها إلى درجة تكليفه بإدارة شركة المحروقات، فلماذا لم تبق عليه في «صوملك»، حيث اكتسب معرفة عملية بمشكلاتها، مع إلزامه بتنفيذ توصيات لجنة التحقيق وتصحيح الاختلالات التي كشفتها؟
ولا يعني طرح هذا السؤال أن بقاء المدير السابق كان بالضرورة الخيار الأفضل، وإنما أن تغيير القيادات ينبغي أن يستند إلى تقييم واضح للأداء ومتطلبات الإصلاح، لا إلى قرارات تبدو متعارضة في دلالاتها.
لقد حظي قرار رئيس الجمهورية تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في حريقي محطتي الكهرباء باهتمام واسع، وتعزز ذلك الاهتمام عندما صدرت التوجيهات بنشر خلاصات التقرير وتنفيذ توصياته، بما فيها الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة لتحديد المسؤوليات وحماية المال العام.
ولذلك فإن مصداقية هذا المسار تقتضي توضيح العلاقة بين خلاصات التحقيق والتغييرات التي تلته، وتحديد ما إذا كانت تلك التغييرات إجراءات للمساءلة أم إعادة ترتيب عادية للمسؤوليات.
كما تقتضي عدم الخلط بين المسؤولية الإدارية والمسؤولية الجزائية؛ فليس كل قصور إداري فسادا، ولا كل مسؤول ورد اسمه في تقرير تحقيق مدانا. وفي المقابل، لا يجوز أن يصبح غياب الإدانة القضائية ذريعة لتجاهل مسؤوليات إدارية ثابتة تستوجب التصحيح أو المحاسبة.
إن ما تحتاج إليه مؤسساتنا العمومية ليس مجرد حركة مستمرة للمديرين بين المناصب، وإنما منظومة واضحة لتقييم الأداء، وتحديد المسؤوليات، وربط التعيين والاستمرار والإعفاء بمعايير الكفاءة والنزاهة والنتائج.
وفي هذه القضية تحديدا، يكفي أن توضح الحكومة للرأي العام الأساس الذي استندت إليه في إعفاء المدير السابق لـ«صوملك»، والأساس الذي اعتمدته بعد أسبوع لإسناد إدارة شركة المحروقات إليه، وما إذا كانت قد استكملت تقييم الملاحظات المسجلة بحقه في تقرير التحقيق.
فهذا التوضيح لا يمس قرينة البراءة ولا ينتقص من صلاحيات السلطة التنفيذية، بل يعزز الثقة في القرارات الحكومية، ويحمي المسؤول نفسه من التأويلات التي يفتحها غياب التفسير.
إن المسألة هنا أكبر من أخرمبالي ولد محمد لحبيب، وأهم من منصبي المدير العام لـ«صوملك» والمدير العام للشركة الموريتانية للمحروقات؛ إنها تتعلق بمدى وضوح العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة والثقة الحكومية.
فإذا كان الإعفاء بسبب تقصير جسيم أو فساد ثبتت مسؤوليته عنه، فلا ينبغي أن يكون التعيين في مؤسسة أخرى بديلا عن المحاسبة. وإذا لم يكن كذلك، فمن حق الرأي العام أن يعرف المعيار الذي جعل تغيير المدير ضروريا في مؤسسة، وإسناد مؤسسة أخرى إليه مناسبا بعد أسبوع.
فالمسؤولية العمومية ليست لعبة كراس موسيقية، والمحاسبة لا تتحقق بنقل المدير من مكتب إلى آخر، كما أن الإصلاح لا يقاس بعدد التغييرات في المناصب، وإنما بوضوح أسبابها وعدالة معاييرها ونتائجها.
والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الحكومة ليس لماذا عيّنت أخرمبالي ولد محمد لحبيب مديرا للمحروقات فحسب، بل لماذا أعفته من «صوملك» أصلا، إذا كانت لا تزال ترى فيه الكفاءة والثقة اللازمتين لإدارة مؤسسة استراتيجية أخرى؟
فإما أن تكون هناك أسباب جدية للإعفاء تستوجب توضيح تبعاتها، وإما أن يكون التغيير إداريا محضا يستلزم بيان مبرراته. أما أن يبدو القرار الأول مساءلة، ويبدو الثاني تجديدا للثقة، دون تفسير يربط بينهما، فذلك يترك الرأي العام أمام تناقض ظاهري لا يزيله إلا الوضوح.

